السبت، 29 أغسطس 2009

14 – المجادلة


فال تعالى في مطلع سورة المجادلة "قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيَ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قال الإمام أحمد عن عائشة قالت الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات, لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقوله, فأنزل الله عز وجل {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} إلى آخر الاَية, وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد عن عروة عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء, إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهي تقول يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني, اللهم إني أشكو إليك, قالت فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الاَية {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها}.قالت: وزوجها أوس بن الصامت, وكان أوس امرءاً به لمم, فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته, وإذا ذهب لم يقل شيئاً فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه في ذلك وتشتكي إلى الله, فأنزل الله {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} الاَية.
وروى هشام بن عروة عن أبيه أن رجلاً كان به لمم فذكر مثله, وقال ابن أبي حاتم: قال: لقيت امرأة عمر يقال لها: خولة بنت ثعلبة, وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت, فقال له رجل: ياأمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز, قال ويحك وتدري من هذه ؟ قال: لا. قال هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات, هذه خولة بنت ثعلبة, والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها.
وقال تعالى:"
** الّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَآئِهِمْ مّا هُنّ أُمّهَاتِهِمْ إِنْ أُمّهَاتُهُمْ إِلاّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنّ اللّهَ لَعَفُوّ غَفُورٌ * وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَآئِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسّا فَمَن لّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
قال الإمام أحمد: عن يوسف بن عبد الله بن سلام, عن خويلة بنت ثعلبة قالت: فيّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة, قالت: كنت عنده وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه, قالت: فدخل علي يوماً فراجعته بشيء, فغضب فقال: أنت عليّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة, ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي قالت: قلت كلا, والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إِلي, وقد قلت ما قلت, حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه, قالت: فواثبني, فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني, قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثياباً, ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه, فذكرت له مالقيت منه وجعلت أشكو إليه ماألقى من سوء خلقه, قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ياخويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه».) قالت: فو الله ما برحت حتى نزل في قرآن, فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه ثم سري عنه فقال لي: «يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآناً ـ ثم قرأ علي {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ـ إلى قوله تعالى ـ وللكافرين عذاب أليم} قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «مريه فليعتق رقبة» قالت: فقلت يا رسول الله ما عنده ما يعتق, قال «فليصم شهرين متتابعين» قالت: فقلت والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام قال «فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر» قالت: فقلت والله يا رسول الله ما ذاك عنده, قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر» قالت: فقلت يا رسول الله وأنا سأعينه بعَرَقٍ آخر قال «قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيراً» قالت: ففعلت.
15 – حمالة الحطب
حمّالة الحطب: ورد ذكرها في قوله تعالى: (وامرأته حمالة الحطب)" المسد 4"، وهي أم جميل بنت حرب بن أمية، كانت تحمل الشوك، فتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجها أبو لهب: عبدالعزى، كني بذلك لتلهّب وجنتيه وإشراقهما، أو في النار مناسبة لحاله فيها.
قال البخاري عن سعيد بن جبير عن بن عباس أن النبي خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى ياصباحاه فاجتمعت إليه قريش فقال أرأيتم إنحدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني قالوا نعم قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب ألهذا جمعتنا تبا لك فأنزل الله ( تبت يدا أبي لهب وتب ) إلى آخرها وفي رواية فقام ينفض يديه وهو يقول تبالك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فأنزل الله ( تبت يدا أبي لهب وتب ) الأول دعاء عليه والثاني خبر عنه فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وكنيته أبو عتيبة وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه وكان كثير الأذية لرسول الله ولبغضة له والازدراء به والتنقص له ولدينه
وقوله تعالى ( تبت يدا أبي لهب ) أي خسر وخاب وضل عمله وسعيه ( وتب ) أي وقد تب تحقق خسارته وهلاكه وقوله تعالى ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) وقوله تعالى ( سيصلى نارا ذات لهب ) أي ذات لهب وشرر وإحراق شديد ( وامرأته حمالة الحطب ) وكانت زوجته من سادات نساء قريش وهي أم جميل واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم ولهذا قال تعالى ( حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ) يعني تحمل الحطب فتلقى على زوجها ليزداد على ماهو فيه وهي مهيأة لذلك مستعدة له ( في جيدها حبل من مسد ) قال مجاهد كانت تضع الشوك في طريق رسول الله وقال بن جرير كانت تعير النبي بالفقر وكانت تحتطب فعيرت بذلك كذا حكاه ولم يعزه إلى أحد والصحيح الأول والله أعلم
قال سعيد بن المسيب كانت لها قلادة فاخرة فقالت لأنفقنها في عداوة محمد يعني فأعقبها الله منها حبلا في جيدها من مسد النار وقال بن جرير المسد الليف وقال عروة بن الزبير المسد سلسلة ذرعها سبعون ذراعا وعن الثوري هو قلادة من نار طولها سبعون ذراعا وقال الجوهري المسد الليف والمسد أيضا حبل من ليف أو خوص وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها ومسدت الحبل أمسده مسدا إذا أجدت فتله وقال مجاهد ( في جيدها حبل من مسد ) أي طوق من حديد ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدا
عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما نزلت ( تبت يدا أبي لهب ) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهروهي تقول" مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا" ورسول الله جالس في المسجد ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك فقال رسول الله إنها لن تراني وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله فقالت يا أبا بكر إني أخبرت ان صاحبك هجاني قال "لا ورب هذا البيت ما هجاك" فولت وهي تقول" قد علمت قريش أني ابنة سيدها" قال العلماء وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة فإنه منذ نزل قوله تعالى ( سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ) فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا باطنا ولا ظاهرا لا مسرا ولا معلنا فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة

12- أمهات المؤمنين

عائشة بنت أبى بكر ( الصديقة بنت الصديق)
هي عائشـة بنت أبي بكر الصديـق، عبد الله بن أبي قحافـة عثمان بن عامر من ولد تيـم بن مرة، ولدت السيـدة عائشـة بعد البعثة بأربع سنين، وعقد عليها رسـول اللـه -صلى الله عليه وسلم- قبل الهجرة بسنة، ودخـل عليها بعد الهجرة بسنة أو سنتيـن... وقُبِضَ عنها الرسول الكريم وهي بنـت ثمان عشرة سنة، وعاشت ست وستين سنة، وحفظت القرآن الكريم في حياة الرسول وروت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألفي
حديث ومائي وعشرة أحاديث
حديث الإفك
حديث الإفك خطير أفظع الخطر في مضمونه ومحتواه... فمضمونه: العداء للإسلام والمسلمين، ومحتواه: قذف عرض النبي -صلى الله عليه وسلم- وإشاعة مقالة السوء في أهله الأطهار، وأغراضه: إكراه الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمهاجرين على الخروج من المدينة، وأهدافه: إزالة آثار الإسلام والإيمان من قلوب الأنصار...
وفي غزوة المصطلق سنة ست للهجرة، تقول السيدة عائشة: (فلما فرغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- من سفره ذلك وجّه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل، ثم أذّن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجاتي وفي عنقي عقد لي، فلما فرغت أنسل من عنقي ولا أدري.
فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي، الذين كانوا يُرَحِّلون لي البعير، وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير، ولم يشكوا أني فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب، قد انطلق الناس...
فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أن لو قد افتقدت لرُجع إلي، فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطّل السُّلَمي، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي، وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب.
فلما رآني قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)... وأنا متلففة في ثيابي، قال: (ما خلّفك يرحمك الله؟)... فما كلمته، ثم قرب البعير فقال: (اركبي)... واستأخر عني، فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعاً يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس وما افتُقدت حتى أصبحت، ونزل الناس، فلما أطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا، فارتجع العسكر، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك)...
وفي المدينة مرضت السيـدة عائشـة مرضاً شديداً، ولم تعلم بالحديـث الذي وصل للرسـول -صلى الله عليه وسلم- وأبويها، إلا أنها قد أنكرت من الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعض لطفه بها، وحين رأت جفائه لها استأذنت بالانتقال إلى أمها لتمرضها فأذن لها...
وبعد مرور بضع وعشرين ليلة خرجت مع أم مِسْطح بنت أبي رُهْم بن المطلب بن عبد مناف، فعلمت بحديث الإفك، وعادت إلى البيت تبكي وقالت لأمها: (يغفر الله لك، تحدّث الناس بما تحدّثوا به وبلغك ما بلغك، ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً)... قالت: (أي بُنَيَّة خفِّضي الشأن، فوالله قلّما كانت امرأة حسناء عند رجل يُحبها لها ضرائر إلا كثّرن وكثّر الناس عليها)...
...
البراءة
قالت السيدة عائشة: (فوالله ما بَرِحَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسُجِّي بثوبه، ووضِعت له وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فوالله ما فزعت كثيرا ولا باليت، قد عرفت أني بريئة، وإن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سُرّيَ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فَرَقاً أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس...
ثم سُرِّيَ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجلس وإنه ليتحدّر منه مثل الجُمان في يومٍ شاتٍ، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: (أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتـك)... فقالت: (بحمـد الله وذمّكم)... ثم خرج إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل اللـه عز وجل من القرآن... سورة النور (11-19)... وبدايتها...
قال تعالى: {إنَّ الذين جَاؤُوا بالإفكِ عُصْبَةُ منكم، لا تحسبوه شراً لكم بلْ هو خيرُ لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسبَ من الإثم، والذي تولَّى كِبْرَهُ منهم له عذابٌ عظيمٌ، لولا إذ سمعتُموه ظنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً}...
كما أنها كانت شريكة السيدة حفصة في قصة أخرى سنذكرها مع ذكرنا للسيدة حفصة
حفصة بنت عمر
طلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- حفصة طلقةً رجعية، وذلك لإفشائها سِرّاً استكتمها إيّاه، فلم تكتمه، وقصة ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلا يوماً بمارية -رضي الله عنها- في بيت حفصة، فلمّا انصرفت مارية دخلت حفصة حجرتها وقالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (لقد رأيت من كان عندك، يا نبي الله لقد جئت إليّ شيئاً ما جئت إلى أحدٍ من أزواجك في يومي، وفي دوري وفي فراشي)... ثم استعبرت باكية.
فأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- باسترضائها فقال: (ألا ترضين أن أحرّمها فلا أقربها؟)... قالت: (بلى)... فحرّمها وقال لها: (لا تذكري ذلك لأحدٍ)... ورضيت حفصة بذلك، وسعدت ليلتها بقرب النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا أصبحت الغداةَ، لم تستطع على كتمان سرّها، فنبّأت به عائشة، فأنزل الله تعالى قوله الكريم مؤدِّباً لحفصة خاصة ولنساء النبي عامة ...
قال الله تعالى: {وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْوَاجه حَديثاً، فلمّا نَبّأتْ بِهِ وأظهَرَهُ اللّهُ عليه عَرَّفَ بعضَه وأعْرَض عن بَعْضٍ فلمّا نَبّأهَا بِهِ قالت مَنْ أنْبَأكَ هَذا قال نَبّأنِي العَلِيمُ الخَبيرُ}... سورة التحريم آية (3)...
فبلغ ذلك عمر فحثا التراب على رأسه وقال: (ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها)... فنزل جبريل -عليه السلام- من الغَدِ على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إن الله يأمرك أن تُراجِعَ حفصة رحمة بعمر)... وفي رواية أن جبريل قال: (أرْجِع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة)...
اعتزال النبي لنسائه
اعتزل النبي -صلى الله عليه وسلم- نساءه شهراً، وشاع الخبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد طلّق نساءه، ولم يكن أحد من الصحابة يجرؤ على الكلام معه في ذلك، واستأذن عمر عدّة مرات للدخول على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلم يؤذن له، فذهب مسرعاً الى بيت حفصة، فوجدها تبكي فقال: (لعلّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قد طلّقك؟ إنه كان قد طلّقك مرةً، ثم راجعك من أجلي، فإن كان طلّقك مرّة أخرى لا أكلمك أبداً)...
ثم ذهب ثالثة يستأذن في الدخول على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأذِنَ له، فدخل عمر والنبي -صلى الله عليه وسلم- متكئ على حصير قد أثر في جنبه، فقال عمر: (أطلقت يا رسول الله نساءك؟)... فرفع -صلى الله عليه وسلم- رأسه وقال: (لا)... فقال عمر: (الله أكبر)... ثم أخذ عمر وهو مسرور يهوّن على النبـي -صلى الله عليه وسلم- ما لاقى من نسائـه.
فقال عمر: (الله أكبر! لو رأيتنا يا رسـول اللـه وكنّا معشر قريش قوماً نغلِبُ النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فغضبتُ على امرأتي يوماً، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: (ما تُنْكِر أن راجعتك؟ فوالله إن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ليراجعْنَهُ، وتهجره إحداهنّ اليوم الى الليل)... فقلت: (قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسِرَتْ، أفتأمَنُ إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذاً هي قد هلكت؟)... فتبسّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-...
فقال عمر: (يا رسول الله، قد دخلت على حفصة فقلت: (لا يغرنّك أن كانت جاريتك -يعني عائشة- هي أوْسَم وأحبُّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منك)... فتبسّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثانية، فاستأذن عمر -رضي الله عنه- بالجلوس فأذن له...
وكان -صلى الله عليه وسلم- أقسم أن لا يدخل على نسائه شهراً من شدّة مَوْجدَتِهِ عليهنّ، حتى عاتبه الله تعالى ونزلت هذه الآية في عائشة وحفصة لأنهما البادئتان في مظاهرة النبي -صلى الله عليه وسلم-... والآية التي تليها في أمهات المؤمنين...
قال تعالى: {إِن تَتُوبَا إلى اللهِ فقد صَغَتْ قُلُوبُكُما وإن تَظَاهرا عَلَيه فإنّ اللهَ هوَ مَوْلاهُ وجِبريلُ وَصَالِحُ المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ ** عسى رَبُّهُ إن طلَّقَكُنَّ أن يُبْدِلَهُ أزواجاً خَيْراً منكُنَّ مُسْلِماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائِحاتٍ ثَيَّباتٍ وأبكاراً}... سورة التحريم آية (4 - 5)...
فما كان منهن وآيات الله تتلى على مسامعهن إلا أن قلنَ ... قال تعالى: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير}...
زينب بنت جحش
زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صيرة بن مرّة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، أم المؤمنين وأمُّها أميمة بنت عبد المطلب عمّـة رسـول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولدت بمكة قبل البعثة بسبع عشرة سنة وكانت من المهاجرات الأول، أسلمت قديماً
زواجها من زيد
كان زيد بن حارثة مولى للسيدة خديجة -رضي الله عنها-، فلمّا تزوّجها الرسول -صلى الله عليه وسلم-وهَبَته له، وتبناه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأصبح زيد بن محمد، وبعد الإسلام نزل قوله تعالى: (وادعوهم لآبائهم)... فعاد من جديد زيد بن حارثة...
وأما قصة زواجه من السيـدة زينـب تعود إلى أن زينب قد خطبها عدّة من قريش فأرسلت أختـها (حمنة) إلى رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- تستشيره، فقال الرسـول -صلى الله عليه وسلم-: (أين هي ممن يُعلّمها كتاب ربّها وسنّة نبيها؟)... قالت حمنة: (ومن هو يا رسـول الله؟)... قال: (زيد بن حارثة)... فغضبت (حمنة) غضباً شديداً وقالت: (يا رسول الله ! أتزوج ابنة عمّتك مولاك؟!)... وعادت إلى زينب فأخبرتها، فغضبت زينب وقالت أشد من قول أختها فأنزل الله تعالى...
قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أنْ يكون لهم الخِيرة من أمرهم}...
فأرسلت زينـب إلى الرسـول -صلى الله عليه وسلم- وقالت: (إني استغفر الله وأطيع الله ورسولـه، افعل يا رسول الله ما رأيت)... فزوّجها الرسول -صلى الله عليه وسلم- زيداً، فكانت أزراً عليه، وشكاها زيد إلى الرسول الكريم، فعاتبها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال لزيد: (أمسِكْ عليك زوجك واتّق الله)... فقال زيد: (أنا أطلقها)... وطلقها زيد -رضي الله عنه-...
وبينما الرسول -صلى اللـه عليه وسلم- عند السيدة عائشة، إذ أخذتـه غشيـةٌ فسُرِّي عنه وهو يبتسم و يقـول: (من يذهب إلى زينـب يُبشِّرُها؟)... وتـلا...
قال تعالى: {وإذْ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسكْ عليك زوجكَ واتقِ اللهَ وتُخْفي في نفسكَ ما اللهُ مُبْدِيه وتَخْشى الناس والله أحقُّ أن تخْشَاهُ، فلمّا قضى زَيْدٌ منها وَطَراً زَوَّجْنَاكها لكي لا يكون على المؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدْعيائهم إذا قضوا منهنّ وَطَراً، وكان أمْرُ اللهِ مَفْعولاً}...
فعندما انقضت عِدّة زينب -رضي الله عنها- قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لزيْد بن حارثة: (اذهب فاذْكرها عليّ)... فانطلق حتى أتاها وهي تخمّرُ عجينها، قال: (فلمّا رأيتها عظمَتْ في صدري حتى ما أستطيع أن أنظـر إليها، وأقول إن رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكرها فولّيتُها ظهري، ونكصت على عقبي وقُلتُ: (يا زينب أبشري أرسلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرك؟)... قالت: (ما أنا بصانعةٍ شيئاً حتى أؤامِرَ ربيّ عز وجل)... فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- فدخل عليها...
تقول السيدة زينب: (لمّا انقضتْ عِدّتي لم أعلم إلا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد دخل عليّ بيتي، وأنا مكشوفة الشعر، فعلمت أنه أُمِرَ من السماء، فقلت: (يا رسول الله: بلا خطبة ولا إشهاد؟!)... قال -صلى الله عليه وسلم-: (الله زوّجَ وجبريل الشاهد)... وتزوّج الرسول -صلى الله عليه وسلم- امرأة زيد بعده، وانتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه...
وكانت وليمة العرس حافلة مشهودة، ذبح النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- شاة، وأمر (أنس بن مالك) أن يدعوَ الناس إلى الوليمـة، فترافدوا أفواجاً أفواجاً، يأكل كل فوج ويخرج، ثم يدخل فوجٌ آخر، حتى أكلوا كلُّهم...
لقد كانت السيدة زينب تفتخر بزواجها من الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتقول: (يا رسول الله إني والله ما أنا كإحدى نسائِكَ، ليست امرأة من نسائِك إلا زوّجها أبوها أو أخوها أو أهلها، غيري زوّجِنيك الله من السماء)... وقد كانت -رضي الله عنها- تفتخر على نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- فتقول: (زوّجكُنّ أهاليكنّ، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سموات)..
توفيـت السيـدة زينـب سنـة عشريـن من الهجـرة وهي بنـت خمسيـن، وصلّى عليهـا عمـر بـن الخطـاب أميـر المؤمنيـن، ودُفنـت في البقيـع -رضـي اللـه عنها-...
قالت السيدة عائشة: (رحِمَ الله زينب، لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوّجها، ونطق به القرآن، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لنا: (وأسْرَعَكُنّ بي لُحوقاً أطولكُنَّ باعاً)... فبشَّرها بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة)

11 – مريم ابنة عمران

هي مريم بنت عمران الطاهرة التي اصطفاها ربها وطهرها ثم اصطفاها على نساء العالمين ليأتي من رحمها الطاهر الذي لم يمسسه بشر المسيح عيسى عليه السلام رحمة من الله وأمرا مقضيا.
وإذا جاز أن يكون هناك نبي من النساء لكانت هي نبيه النساء لطهرها وعفافها وتقواها ، وهى من القلائل من النساء اللاتي أرسل الله إليهن ملك ، هو الروح الأمين جبريل، ليبشرها أن الله اختارها لتكون أما لبشر دون أب ، ولتكون طرفا في معجزه الاهيه لم تحدث قبلها ولا بعدها.
هي الوحيدة بين نساء العالمين التي ذكرت باسمها صراحة ودون تلميح . فكل النساء اللاتي نزل فيهن قرانا ذكروا إما بلفظ امرأة أو أم فلان أو زوجة فلان أو ابنة فلان. جاء اسمها " مريم" صريحا في عدة مواضع من القران ، بالإضافة إلى ذكر اسمها دائما كلما ذكر اسم المسيح عليه السلام . فالقران دائما يذكر المسيح باسم " عيسى ابن مريم ".
ورد ذكرها في قوله تعالى:" واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا)ً مريم 16)وقد سميت باسمها هذه السورة من سور القرآن الكريم (سورة مريم).
(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران :42-49].
وأما ولادة السيدة مريم عليها السلام و نشأتها فقد كانت أمها و اسمها ((حنة)) وهي امرأة عمران لا تلد فرأت ذات يوم طيراً يزق فرخه فتحركت فيها عاطفة الأمومة و طلبت من الله عز و جل أن يرزقها ولداً صالحاً و نذرت أن تجعله خادماً في بيت المقدس لأنها كانت تظن أنه سيكون ذكراً و لأن الذكر عادة يصلح للاستمرار على خدمة بيت المقدس موضع العبادة و لا يلحقه عيب بذلك و لكن الله تبارك و تعالى شاء لحنة امرأة عمران أن تحمل بأنثى تكون سيدة نساء العالمين و أماً لنبي من أولي العزم من الرسل و هو عيسى المسيح عليه الصلاة و السلام.
و لما ولدت امرأة عمران مولودتها الجديدة أسمتها مريم و تولاها الله سبحانه و تعالى برحمته و عنايته و شاء الله عز و جل لنبيه زكريا عليه السلام، و كان زوج أخت أم مريم، أن يتكفلها دون غيره من الرجال.
فكان زكريا عليه السلام يعلمها تعاليم دين الإسلام و الأخلاق الحسنة و ينشئها على الأخلاق الفاضلة، فنشأت مريم عليها السلام صالحة عفيفة طاهرة من الذنوب و المعاصي عارفة بالله عز و جل و تقية و ولية تداوم على طاعة ربها عز وجل آناء الليل و أطراف النهار فأكرمها الله سبحانه بالكرامات الظاهرة التي كانت آيات عجيبة دالة على عظيم قدرة الله سبحانه و تعالى، فقد كان نبي الله زكريا عليه السلام يرى عندها في المحراب و بعد أن يغلق عليها أبواب المسجد فاكهة الصيف في الشتاء و فاكهة الشتاء في الصيف كرامة لها من الله عز وجل يقول الله تعالى:{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
وكان الله عز و جل قدر في الأزل أن يوجد نبيه عيسى عليه السلام من غير أب في رسالة واضحة إلى بني إسرائيل إلى انتهاء الوعد وانه لم يعد في أصلابهم من يصلح أن يكون أبا لنبي، واشاره إلى انتهاء عصر أنبياء بني إسرائيل وانتقال النبوة إلى غيرهم. فتنفذت مشيئته تعالى و كان و تحقق ما شاء الله و قدر في الأزل يقول الله تعالى:{ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }، و يقول ربنا عز من قائل:{ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }، و المعنى أن ما شاءه الله تعالى و قدره في الأزل فإنه يكون و يوجد بلا تأخر و لا ممانعة له من أحد و هذا ما حصل في أمر عيسى المسيح عليه السلام.
وذات يوم تنحت السيدة الجليلة مريم عليها السلام عن الناس و اعتزلت من أهلها لتقضي أمراً ما فخرجت إلى شرق المحراب الشريف الذي كانت تعبد الله عز و جل فيه حتى صارت بمكان يلي المشرق و كانت الشمس المشرقة قد أرسلت عليها أشعتها فأظلتها حتى لم يعد يراها أحد من الخلق و في تلك اللحظات التي كانت فيها مريم عليها السلام تقضي حاجتها متوكلة على الله عز و جل أرسل الله سبحانه و تعالى إليها أمين الوحي جبريل عليه السلام و كان متشكلاً فظنته مريم عليها السلام إنساناً و خافت أن يتعرض لها بسوء و أذى فقالت له " إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً "، أي إذا كنت تقياً فلا تتعرض لي بسوء فطمأنها جبريل عليه السلام و أخبرها أن الله تعالى أرسله إليها ليهبها ولداً صالحاً طاهراً من الذنوب و هنا قالت له مريم عليها السلام على سبيل التعجب و الاستعلام " أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكن بغيا"، فأجابها ملك الوحي جبريل عليه السلام:" هكذا قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا"، و كان أمين الوحي جبريل عليه السلام لما جاء مريم عليها السلام حاملاً روح نبي الله عيسى المسيح المشرف المكرم فنفخه في جيب درعها و كان مشقوقاً من قدامها فدخلت النفخة في صدرها فحملت من وقتها بقدرة الله و مشيئته بعيسى عليه السلام و تنفذت مشيئة الله تعالى في مريم عليها السلام كما شاء ربنا تبارك و تعالى و قدر في الأزل يقول الله عز و جل:{ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
و استمر حمل مريم عليها السلام بعيسى المسيح كحمل بقية النساء بعدد من الأشهر ثم تنحت مريم عليها السلام بحملها إلى مكان بعيد عن الناس خوفاً من أن يعيرها الناس بولادتها من غير زوج و بعد أن صار بعض الناس من قومها يطعنون بعفتها و شرفها و يطعنون في نبي الله زكريا عليه السلام الذي كان يكفلها و يشرف على تربيتها و تعليمها أحكام دين الإسلام. حتى تضايقت مريم عليها السلام من كلامهم تضايقاً شديداً فصبرت على مصيبتها صبراً جميلاً و لما حان لمريم عليها السلام وقت وضع حملها الجديد جاءها المخاض و هو وجع الولادة الذي تجده النساء عند الوضع فألجأها هذا الألم إلى ساق نخلة يابسة فأسندت ظهرها إلى جذع تلك النخلة و قد اشتد همها و كربها و قالت:" يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا"، و هنا جاءها الفرج و اليسر بعد العسر فقد جاءها الملك جبريل عليه السلام أمين الوحي بأمر من الله تعالى فطمأنها و نادها من مكان منخفض من المكان الذي كانت فيه " ألا تحزني قد جعل ربك تحتك ثريا ".
و كان الحزن قد انتاب مريم عليها السلام بسبب أنها ولدت من غير زوج و بسبب جدب المكان الذي وضعت فيه مولودها الجديد عيسى المسيح عليه الصلاة و السلام فطمأنها جبريل عليه السلام و بشرها بأن الله عز وجل قد أجرى تحتها نهراً صغيراً عذباً فراتاً و أنه يطلب منها أن تهز جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب الجني و أن تأكل و تشرب مما رزقها الله عز و جل و أن تقر عينها و تفرح بمولودها الجميل عيسى عليه السلام و أن تقول لمن رءاها و سألها عن ولدها إنها نذرت للرحمن أن لا تكلم أحداً؟ و بعد أن ولدت السيدة الجليلة مريم عليها السلام مولودها الجميل عيسى صلى الله عليه و سلم انطلقت به إلى قومها و كان قومها قد انطلقوا يطلبونها و يبحثون عنها فلما رأتهم من بعيد حملت ولدها عيسى عليه السلام و ضمته بين ذراعيها برأفة و حنان ثم أتتهم به و هي تحمله و كان ذلك بعد أربعين يوماً من ولادتها له فتلقتهم به و هي تحمله و قلبها كله ثقة و توكل على الله عز و جل و حين كلمها قومها في شأن مولودها الجديد أشارت السيدة مريم عليها السلام إلى ولدها عيسى المسيح أن كلموه فتعجبوا من ذلك و قالوا لها مندهشين " كيف نكلم من كان فى المهد صبيا " فأنطقه الله تبارك و تعالى الذي أنطق كل شيء أنطقه الله تعالى فقال لهم بلسان فصيح:" إني عبد الله آتاني الكتاب و جعلني نبياً و جعلني مباركاً أينما كنت و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حياً و براً بوالدتي و لم يجعلني جباراً شقياً و السلام علي يوم ولدت و يوم أموت و يوم أبعث حياً "، أنطقه الله عز و جل ليخفف عن أمه مريم عليها السلام الوطأة، فهذه صورة مشرقة عن قصة السيدة الجليلة مريم عليها السلام مع ابنها عيسى المسيح صلى الله عليه و سلم تلك المرأة الصالحة التقية الصديقة العارفة بالله سبحانه و تعالى و التي انقطعت لعبادة ربها و خالقها عز و جل و كانت خير مثال للمرأة التقية التي تحملت المصائب من قومها بنفس راضية مرضية غير معترضة على ربها حتى نالت هذه المنزلة عند خالقها فكانت سيدة نساء العالمين لذلك ذكرها الله تعالى باسمها في القرءان الكريم من بين النساء و أثنى عليها الثناء الحسن يقول الله تعالى في القرءان الكريم:{ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ}، و يقول الله تعالى أيضاً في الثناء على السيدة مريم:{ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} فكم هو حري بالنساء في كل زمان و مكان و على مر الدهور و الأجيال أن يقتدين بالسيدة الجليلة مريم عليها السلام و يتخذنها قدوة حسنة في حياتهن و سلوكهن ليكتسبن المعالي و الدرجات العالية و ليحُزن رضا خالقهن سبحانه و تعالى .

‏يقول الله تعالى في محكم التنزيل : بسم الله الرحمن الرحيم " وَاذْكـُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَـبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْـنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فـتَـمَثـَّـلَ لَهَا بَشَرًا سويا قالت إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُـنتَ تـَقِـيًّا * قَالَ إِنَّـمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّـكِ لأَهَـبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُـونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَك بَغِـيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّـقـْضِيًّا * فَحَمَلَتـْـهُ فَانتَـبَذَتْ بِهِ مَكَـانًا قَصِيًّا* فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْـتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُـنتُ نَسْيًا مَّـنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْـتِهَا َلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْـتَـكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُـلِي وَاشْرَبِي وَقـَـرِّي عَيْـنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَـقـُولِي إِنِّي نَـذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَـلِّمَ الْيَوْمَ إِنـسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَـدْ جِئْتِ شَيْـئـًا فـَرِيًّا * يَا أُخْـتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نـُكَـلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُـنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكـَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَـــمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْـتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } صدق الله العظيم الآيات [ 16- 36 ] سورة مريم
وبذلك يكون القران قد رفع مريم مكانا عليا ، وكرمها وقدرها حق قدرها ، وبرءها من افتراءات اليهود وتقولهم عليها بهتانا وزورا، ولكنه لم يرفعها إلى مصاف الالهه ، فالله واحد احد لم يتخذ صاحبة ولا ولد ، منزه عما يفعل البشر. واستحقت مريم أن يضرب بها المثل للذين امنوا في نهاية سورة التحريم :" ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين" ( التحريم 10)

10 –زوجة زكريا وامرأة عمران


هما على الأرجح شقيقتان ، كانت كل واحدة منهن تحت عبد صالح من عباد الله ، وكانتا من المؤمنات الصالحات العابدات القانتات . الأولى هي زوجة زكريا " الياصابات" التي أشير إليها في سورة مريم " وكانت امراتى عاقرا"
والثانية كانت"حنة" امرأة عمران وهو رجل صالح من بني إسرائيل حسن السمعة ، وقيل كان واحدا من كبار أحبارهم الذين عندهم علم من الكتاب
وهى التي ذكرت في سورة آل عمران باسم امرأة عمران التي نذرت ما فى بطنها محررا لله تعالى.
قال تعالى: " إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران :35-37]

وكانت هذه المرأة المؤمنة ترجو أن ترزق غلاماً لتهبه لخدمة بيت المقدس‘ورزقت بنتاً، والبنت لا تقوم بالخدمة في المسجد كما يقوم الرجل، وأسفت أم مريم امرأة عمران واعتذرت للرب جل وعلا فقالت: {رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت -وليس الذكر كالأنثى- وإني سميتها مريم، وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} وأوفت بنذرها كما اشترطته على الله: {رب أني نذرت لك ما في بطني محرراً}!! وكان لا بد من الوفاء بالنذر..
وقبل الله سبحانه وتعالى هذا النـذر وجعله نذراً مباركاً.. بل لا يعرف نذر أعظم منه بركة، فقد أعقب خير نساء العالمين ورسولاً من أولي العزم من الرسل يجعل الله ولادته وحياته، ورفعه إلى السماء، ونزوله آخر الدنيا، وما أجرى على يديه من المعجزات آية كبرى من آيات الله سبحانه وتعالى... فأي نذر أعظم من هذا؟
وقصة هذه المرأة تعلمنا انه إذا نذر المرء نذرا خالصا لله تعالى في أمر غيبي لم يحدث بعد كأن ينذر أن يفعل كذا إذا حدث كذا ثم جاء الغيب بما يخالف طبيعة النذر ليس معنى هذا أن الله لم يتقبل نذرك طالما انك كنت مخلصا في نذرك .
وكانت هذه الفتاه المولودة هي السيدة مريم . ولكن يبدو أن الأب الصالح توفى قبل الولادة ولحقت به الأم المؤمنة عقب الولادة وأصبحت مريم يتيمة الأبوين. فتصارع الأحبار على من يكفلها .
وكان زكريا عليه السلام زوج خالتها الياصابات من وقعت عليه القرعة .وانتقلت الفتاة الصغيرة لتصبح تحت رعاية خالتها زوجة زكريا عليه السلام.
وكانت المرأة الطيبة عقيم لاتلد، وبالإضافة إلى تقدم العمر بها وبزوجها يئست من الإنجاب . ولكن "كلما دخل زكريا على مريم المحراب وجد عندها رزقا" ، وعندما سألها عن مصدر هذا الرزق وهو من يكفلها قالت" هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب"
وهنالك دعا زكريا ربه أن يهب له وليا يرثه ويرث من ال يعقوب وان يهبه الله الحكمة والنبوة . فاستجاب له ربه ووهب له على الكبر يحي عليه السلام ولتقر عين الياصابات المراه المؤمنة.
وهذا درس لكل أخت مؤمنه ألا تقنط من رحمة الله وان كل ماعليها هو الدعاء وان على الله الاجابه . فان استجيب للدعاء فهذا فضل من الله ، وإذا لم يستجب الله للدعاء فسيدخره لكي يوم القيامة وهذا هو الفوز العظيم.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2009

9 – بلقيس ملكة سبأ



وقد ذكرها القرآن الكريم في موضع الإشادة والتكريم حيث أسلمت مع نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام وخرجت بقومها من ظلام الشرك وعبادة الشمس إلى عبادة الله الواحد الأحد خالق الشمس والقمر وكل ما في الكون.
وورد ذكر بلقيس وقصتها مع سليمان عليه السلام في عدة آيات من سورة النمل في قوله عز وجل: “وَتَفَقدَ الطيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ. لأعَذبَنهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنهُ أَوْ لَيَأْتِيَني بِسُلْطَانٍ مبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سبأ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِني وَجَدت امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُل شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدتهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَينَ لَهُمُ الشيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدهُمْ عَنِ السبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، أَلا يَسْجُدُوا لِلهِ الذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ رَب الْعَرْشِ الْعَظِيمِ” (النمل: 20 26).حديث الهدهد
وكان لهذا الطائر الذي اهتم به سليمان تحديدا أهمية خاصة. وكان لكل طائفة من الدواب والطير قائدها المسئول عنها.وكان سليمان يهتم بشؤون هذه الطوائف على السواء. وعندما تفقد الطير لم يجده. ولم يقطع بغيابه وافترض أنه لم يره أو أنه كان من الغائبين فإن كان من الغائبين من دون إذن سليمان أو علمه فقد توعده سليمان بالعذاب الشديد أو الذبح، ومع ذلك فقد ترك باب العفو والمسامحة مفتوحا إذا جاءه الهدهد بسلطان مبين أي بحجة غياب مقنعة.ولأن الهدهد لم يكن مذنبا بل جاء بأمر جلل. ولأنه يدرك سماحة نبي الله سليمان فعندما وصل بعد قليل من السؤال عنه واقترب من سليمان وروى له ما رآه من أهل سبأ وكيف أنهم تملكهم امرأة. ووصف له هذه المرأة وما تتمتع به من قدرات هائلة، كما حدثه عن عظمة عرشها قرر سليمان أن يتأكد من صدق ودقة معلومات جهاز مخابراته الهدهد وفي ذلك يقول الله عز وجل: “قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. اذْهَب بكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُم تَوَل عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ” (النمل: 27 28).وذهب الهدهد مسرعا حاملا رسالة سليمان إلى بلقيس وعندما وصل إلى قصرها ألقاها إليها وهي في خلوة ثم وقف في جانب ينتظر ما يكون من جوابها على كتاب سليمان. وفتحت بلقيس الكتاب وقرأت ما فيه، ولما كان حكمها يقوم على الشورى كما تدل آيات القرآن الكريم كما أنها تتمتع بالرزانة وحسن التصرف فإنها لم تبادر إلى رد فعل متسرع قد تندم عليه في المستقبل، وإنما جمعت وزراءها وأمراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها، وفي البداية أخبرتهم بوصول الكتاب ثم بعنوانه ثم بمضمونه ثم سألتهم الرأي والمشورة: “قَالَتْ يَا أَيهَا المَلأ إِني أُلْقِيَ إِلَي كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنهُ بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيمِ. أَلا تَعْلُوا عَلَي وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ” (النمل: 29 30).كان قوم بلقيس يتمتعون بالقوة والشجاعة. وكانوا يلتزمون نحوها بالسمع والطاعة، كما كانوا مستعدين لأن يخوضوا معها القتال، إذا قررت ذلك. لكن ذلك لم يكن رأيها ولا قرارها فقد كانت الدعوة التي يحملها الكتاب دعوة للصلاح والإسلام والى عدم الاغترار بالقوة والاستعلاء في الأرض. وكان من حكمة بلقيس أن تختبر نوايا صاحب الكتاب: “قَالُوا نَحْنُ أُوْلُو قُوةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ. قَالَتْ إِن الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزةَ أَهْلِهَا أَذِلةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. وَإِني مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ” (النمل: 33 35).كانت الهدية التي أرسلتها بلقيس مع وفدها لسليمان تحتوي على كثير من الدرر والجواهر وحلي الذهب والفضة والجواري والغلمان، وكانت تريد أن تختبر سليمان وتعرف إن كان ملكا أم نبيا، وأن تقيم معه في الحالتين أواصر المودة والسلام ولكن سليمان الذي كان نبيا وملكا لم يكن هدفه المال ولم يكن مقصده الدرر والجوهر، وهو الذي دعا ربه أن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فاستجاب الله دعاءه، ولذلك لم يكن مثل هذه الهدية يغريه فرد الهدية: “فَلَما جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مما آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيتِكمْ تَفْرَحونَ. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنهُم منْهَا أَذِلةً وَهُمْ صَاغِرُونَ” (النمل 36 37).وأدركت بلقيس أنها ليست أمام ملك طامع في مزيد من الملك أو المال وإنما هي أمام نبي مرسل فقررت الذهاب إليه وسط حشد من كبار قومها وعلم سليمان بعزمها فقرر أن يختبرها: “قَالَ يَا أَيهَا المَلأ أَيكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْريتٌ منَ الْجِن أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مقَامِكَ وَإِني عَلَيْهِ لَقَوِي أَمِينٌ. قَالَ الذِي عِندَهُ عِلْمٌ منَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَد إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَما رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِن رَبي غَنِي كَرِيمٌ. قَالَ نَكرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الذِينَ لَا يَهْتَدُونَ. فَلَما جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنا مُسْلِمِينَ. وَصَدهَا مَا كَانَت تعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إِنهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ، قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصرْحَ فَلَما رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنهُ صَرْحٌ ممَردٌ من قَوَارِيرَ قَالَتْ رَب إِني ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلهِ رَب الْعَالَمِينَ” (النمل: 38 44).تسجل هذه الآيات الكريمات الاختبار الذي قرره النبي سليمان عليه السلام لبلقيس حين طلب من خاصته الإتيان بعرشها فعرض جني أن يحضره قبل أن يقوم سليمان من مجلسه وكان يمتد من الصباح حتى الظهيرة وعرض آخر عنده علم من الكتاب قيل انه جبريل عليه السلام وقيل إنه جني مؤمن وقيل إنه سليمان نفسه والأشهر أنه آصف بن يرضيا ابن خالة سليمان أن يأتيه به في مثل لمح البصر. فلما جيء له بالعرش أمر بتغيير بعض ملامحه، فلما جاءت بلقيس ورأته وسئلت إن كان هو عرشها؟ وكانت تركته خلفها لم تشأ أن تجيب إجابة قاطعة بالإيجاب أو النفي مما يدل على فطنتها وسعة إدراكها وقوة حيلتها.وحين دعيت إلى دخول صرح سليمان وكان مبنيا من قوارير وله سقف من زجاج وكان مزينا بالكائنات البحرية ظنت انه بحر فلما همت بدخوله كشفت عن ساقيها
وذكر الثعلبي أن سليمان لما تزوجها بعد إسلامها وقومها أقرها على مملكة اليمن وردها إليه، وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط، وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور في اليمن هي غمدان وسالحين وبيتون. وتوفيت بلقيس بعد بضع سنوات من وفاة سليمان بعد عمر طويل من الحكم الرشيد وبعد أن قادت قومها قبل إسلامها إلى القوة وشدة البأس. وقادتهم بإسلامها للخروج مع سليمان من الظلمات إلى النور، ولتظل سيرتها درسا هاديا ونبراسا مرشدا لكل امرأة مسلمة سليمة الفطرة صادقة الإيمان.

8 - امرأة فرعون


( آسيه بنت مزاحم)
ذكرها القرآن الكريم ذكرا حميدا وشرفها وأعلى قدرها
في معرض المقارنة بين النساء المؤمنات الفضليات المتوجهات بعقولهن وقلوبهن وأرواحهن إلى الله عز وجل وبين الضالات الكافرات الخائنات وذلك في قول الله عز وجل: “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ”. (التحريم: 10 -12).
إنها آسية بنت مزاحم التي ذكرها القرآن الكريم بالصفة وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بالاسم وزكاها
في قوله: “خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران. وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رسول الله” (رواه مسلم وأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه).
و
في نسبها تقول المراجع إنها آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان ملكا لمصر في عهد يوسف بن يعقوب عليه السلام: “وهي امرأة صالحة كانت تدين بدين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم الصلاة والسلام. وكانت تسمى في عصرها (إست نفرت) ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم سماها آسية. فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري: “كمل من الرجال كثير. ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام” (مؤمنات لهن عند الله شأن للدكتور محمد بكر إسماعيل ص 53).
وذكرها القرآن الكريم بقول الله عز وجل: “وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً” (القصص: 9). وقد آمنت بموسى حين بعث و
فيها يقول الله عز وجل: “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” (التحريم: 3) وهي التي استقبلت موسى وليدا وهي التي أشرفت على تربيته ثم هي التي آمنت به حين بعث.
وكان لآسية بنت مزاحم دور عظيم
في إنقاذ نبي الله موسى عليه السلام من الذبح وفي احتضانه وتربيته ورعايته حتى بلغ أشده وآتاه الله عز وجل حكما وعلما. ومن ثم كان لها دور في رسالته التي هي رسالة كل الأنبياء وهي الدعوة للتوحيد الخالصه .
التقطت جواري الفرعون التابوت وخشين أن يفتحنه من عقاب سيدتهن آسية بنت مزاحم فحملن إليها التابوت فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه فاستوهبته منه” (قصص الأنبياء للإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي: ص 206-209).
و
في ذلك يقول الله سبحانه وتعالى “وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً” (القصص: 9). فقال لها فرعون: أما لك فنعم وأما لي فلا -أي لا حاجة لي به-. وقد أنالها الله ما رجت من النفع. أما في الدنيا فهداها الله به. وأما في الآخرة فأسكنها الجنة بسببه ذلك أنهما تبنياه لأنه لم يكن لهما ولد.
وكانت آسية بنت مزاحم المؤمنة هي المتكفلة بتربية موسى ورعايته وذلك كله تحت عين الله عز وجل و
في حفظه ورعايته وقوله سبحانه: “ولتصنع على عيني” أي تطعم وترفه وتغذى بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي لك.
وقد بلغت فى إيمانها الحد الذي جعل رب العزة يضرب بها المثل للذين امنوا ، وجعلها على قدم المساواة مع السيدة مريم لأنها آمنت وأسلمت لله رب العالمين رغم أنها تعيش في دار كفر وتحت ملك ظالم كافر ادعى الالوهيه وتطاول على الله عز وجل وعذب وصلب كل من عارضه .
واستجاب الله لدعوتها حيث توفيت قبل أن يطالها أذى الفرعون وفازت بقصر في الجنة.
وخلد القران ذكرها لتعيش إلى الأبد ذكرى طيبه لكل مؤمن ومؤمنه ، ومثل حسن لكل نساء المسلمين يحتذين به.

7 - زوجة موسى

هي امرأة قوية الشخصية ذات ذكاء حاد وتجيد فهم الأشخاص . لقد قالت على موسى انه " القوى الأمين " ونصحت أباها أن يستأجره . وفهم الرجل بخبرته أن ابنته مالت إلى الفتى القادم من مصر فزوجها له . وجاء في الكتب أن اسمها صافوراء
كانت مدين هي مكان اللقاء .. هرب موسى من مصر بعد واقعة قتل المصري تلقاء مدين . جلس يرتاح عند بئر عظيمة يسقي الناس منها دوابهم. وكان خائفا طوال الوقت أن يرسل فرعون من وراءه من يقبض عليه.لم يكد موسى يصل إلى مدين حتى ألقى بنفسه تحت شجرة واستراح.
لاحظ موسى جماعة من الرعاة يسقون غنمهم، ووجد امرأتين تكفان غنمهما أن يختلطا بغنم القوم، أحس موسى أن الفتاتين في حاجة إلى المساعدة. تقدم منهما وسأل هل يستطيع أن يساعدهما في شيء.
قالت إحداهما: نحن ننتظر أن ينتهي الرعاة من سقي غنمهم لنسقي.سأل موسى: ولماذا لا تسقيان؟قالت الأخرى: لا نستطيع أن نزاحم الرجال.اندهش موسى لأنهما ترعيان الغنم. المفروض أن يرعى الرجال الأغنام. هذه مهمة شاقة ومتعبة وتحتاج إلى اليقظة.سأل موسى: لماذا ترعيان الغنم؟فقالت واحدة منهما: أبونا شيخ كبير لا تساعده صحته على الخروج كل يوم للرعي.فقال موسى: سأسقي لكما.
سار موسى نحو الماء. وسقى لهم الغنم مع بقية الرعاة. وفي رواية أن الرعاة قد وضعوا على فم البئر بعد أن انتهوا منها صخرة ضخمة لا يستطيع أن يحركها غير عدد من الرجال. فرفع موسى الصخرة وحده. وسقى لهما الغنم وأعاد الصخرة إلى مكانها، وتركهما وعاد يجلس تحت ظل الشجرة. وتذكر لحظتها الله وناداه في قلبه: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.
عادت الفتاتان إلى أبيهما الشيخ.
سأل الأب: عدتما اليوم سريعا على غير العادة؟!قالت إحداهما: تقابلنا مع رجل كريم سقى لنا الغنم.فقال الأب لابنته: اذهبي إليه وقولي له: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ} ليعطيك {أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}.
ذهبت واحدة من الفتاتين إلى موسى، ووقفت أمامه وأبلغته رسالة أبيها. فنهض موسى وبصره في الأرض. إنه لم يسق لهما الغنم ليأخذ منهن أجرا، وإنما ساعدهما لوجه الله، غير أنه أحس في داخله أن الله هو الذي يوجه قدميه فنهض. سارت البنت أمامه. هبت الرياح فضربت ثوبها فخفض موسى بصره حياء وقال لها: سأسير أنا أمامك ونبهيني أنت إلى الطريق.
قدم له الشيخ الطعام وسأله: من أين قدم وإلى أين سيذهب؟ حدثه موسى عن قصته. قال الشيخ: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. هذه البلاد لا تتبع مصر، ولن يصلوا إليك هنا. اطمأن موسى ونهض لينصرف.
قالت ابنة الشيخ لأبيها همسا: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.سألها الأب: كيف عرفت أنه قوي؟قالت: رفع وحده صخرة لا يرفعها غير عدد رجال.سألها: وكيف عرفت أنه أمين؟قالت: رفض أن يسير خلفي وسار أمامي حتى لا ينظر إلي وأنا أمشي. وطوال الوقت الذي كنت أكلمه فيه كان يضع عينيه في الأرض حياء وأدبا.
وعاد الشيخ لموسى وقال له: أريد يا موسى أن أزوجك إحدى ابنتي على أن تعمل في رعي الغنم عندي ثماني سنوات، فإن أتممت عشر سنوات، فمن كرمك، لا أريد أن أتعبك، {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}. قال موسى: هذا اتفاق بيني وبينك. والله شاهد على اتفاقنا. سواء قضيت السنوات الثمانية، أو العشر سنوات فأنا حر بعدها في الذهاب.
يخوض الكثيرون في تيه من الأقاصيص والروايات، حول أي ابنتي الشيخ تزوج، وأي المدتين قضى. والثابت أن موسى تزوج إحدى ابنتي الشيخ. لا نعرف من كانت، ولا ماذا كان اسمها. وهذه الأمور سكت عنها السياق القرآني. إلا أنه استنادا إلى طبيعة موسى وكرمه ونبوته وكونه من أولي العزم. نرى أنه قضى الأجل الأكبر. وهذا ما يؤكده حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وهكذا عاش موسى يخدم الشيخ عشر سنوات كاملة.وعرفنا من التوراة أن اسمها هو صافوراء.

السبت، 22 أغسطس 2009

6- أم موسى وأخته

كان لابد من وضع الاثنان في باب واحد لعدة أسباب. أولها أنهما مرتبطتان بشخص نبي واحد هو موسى عليه السلام ، وثانيا لان القران ذكر دور كل واحدة منهما في قصة موسى ولم يزد ، وثالثا لان أدوارهما مرتبطة يبعضها ولايمكن الحديث عن واحده دون الأخرى.
أم موسى
كان بنو إسرائيل يتداولون
فيما بينهم رسالة مفادها انه سيظهر من بينهم غلام يكون صاحب رسالة وأن نهاية فرعون سوف تكون على يديه. ثم إن فرعون رأى مناما مفزعا فسره له كهنته على أن غلاما من بني إسرائيل سيظهر وستكون نهايته على يديه فأمر فرعون بذبح كل ذكر يولد لبني إسرائيل. وجند العسس والقوابل للطواف والمرور على بيوت بني إسرائيل ومراقبة كل امرأة حبلى حتى تلد. فإذا ولدت ذكرا ذبحوه وإذا وضعت أنثى تركوها فتناقص عدد بني إسرائيل فاشتكى كهنة فرعون من أنه إذا استمر هذا التناقص فقد يأتي يوم يضطر فيه المصريون إلى القيام بأعمال الخدمة وغيرها من الأعمال الحقيرة التي يقوم بها بنو إسرائيل فقرر أن يتم الذبح عاما ويتوقف عاما.
وحملت يوكابد أم موسى بهارون ووضعته
في عام المسامحة من الذبح ثم حملت في موسى في عام الذبح. ولما وضعته جلست في بيتها حزينة لاتدرى ماذا تفعل فقد يقتحم جنود الفرعون البيت في لحظه وينتزعون منها وليدها ويقتلوه . فجاءها الملك من عند الله واخبرها أن الله يأمرها إذا خافت على وليدها فلترضعه ثم تضعه في تابوت وتلقى هذا التابوت في اليم ولا تخف فان الله راده إليها. وكانت يوكابد امراه مؤمنه فنفذت ماامرها الله به ولكن قلق الام جعلها ترسل أخته لتتبعه عن قرب وتراقب ماذا يحدث.
وسار التيار بالتابوت الذي يحمل موسى حتى قصر الفرعون لتلتقطه امرأة فرعون والتي أحبت الطفل من أول لحظه فتمسكت به ورفضت أن يمسوه بسوء واستأذنت الفرعون أن تتبناه .
وحرم الله على الطفل أن يرضع من كل المرضعات اللائي جئن بهن . وكانت أخته لازالت على مقربه من القصر تتسمع الأخبار فاقترحت عليهم أنها تعرف آل بيت يكفلونه لهم . وهكذا رد الله موسى إلى أمه وكان وعد الله حقا.
وقد سجل الله تعالى ذلك
في قوله تعالى: “قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي. إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ” (طه: 36-40).
وقال تعالى في سورة القصص :" وأوحينا إلى أم موسى أن ارضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولاتخافى ولاتحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين" القصص 7 . وقال تعالى :" فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولانحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لايعلمون" القصص 13
وأم موسى هي المراه الوحيدة بين نساء العالمين التي حمل رحمها نبيين من أنبياء الله هما موسى وهارون عليهما السلام . وهى امراه ألقت حملها وهمها على الله ففرج كربها وحفظ لها وليدها وجعله من المرسلين.
ب – أخت موسى
هناك من يقول أن اسمها مريم ، ومن يقول أن اسمها كلثم ، ولكن القران لم يذكر لها اسما وأشار إليها فقط بلفظ " أخته" . وهى المقصودة في قوله تعالى :" إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ" طه 40.. وهى المقصودة أيضا بقوله تعالى : " وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لايشعرون ، وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون " القصص 11- 12 .
ومن الآيات ألقرانيه نرى أن دورها انحصر في مراقبة التابوت الذي كان يحمل موسى عليه السلام ، وإنها هي التي دلت آل بيت فرعون على من يكفل الرضيع فكانت سببا في عودة الطفل إلى حضن أمه كي تقر عينها ولا تحزن.

الثلاثاء، 18 أغسطس 2009

4- امرأة لوط

هي النموذج الثاني لمثل الذين كفروا بعد امرأة نوح . قال تعالى :" ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانت تحت عبدين من عبادنا صالحين فخاناتهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين" التحريم 10 .
هي امرأة شرفها الله سبحانه وتعالى بان جعلها زوجة لنبي صالح هو لوط عليه السلام ابن آخى إبراهيم عليه السلام . ورزقها الله بثلاث بنات صالحات مؤمنات قانتات لله عابدات ، ومع ذلك لم تحمد الله على هذه النعمة ولم تشكره ولم تحاول الحفاظ عليها . وفضلت رضاء قومها الفاسقين على رضاء ربها فاستحقت أن يضرب بها المثل للذين كفروا بآيات ربهم ولقائه.
أرسل الله لوطا ليهدي قومه ويدعوهم إلى عبادة الله، وكانوا قوما ظالمين يأتون الفواحش ويعتدون على الغرباء وكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء فلما دعاهم لوط لترك المنكرات أرادوا أن يخرجوه هو وقومه فلم يؤمن به غير بعض من آل بيته، أما امرأته فلم تؤمن ولما يئس لوط دعا الله أن ينجيهم ويهلك المفسدين فجاءت له الملائكة وأخرجوا لوط ومن آمن به وأهلكوا الآخرين بحجارة مسومة.
خرج الملائكة من عند إبراهيم قاصدين قرية لوط.. بلغوا أسوار سدوم.. وابنة لوط واقفة تملأ وعاءها من مياه النهر.. رفعت وجهها فشاهدتهم.. فسألها أحد الملائكة: يا جارية.. هل من منزل؟
قالت [وهي تذكر قومها]: مكانكم لا تدخلوا حتى أخبر أبي وآتيكم.. أسرعت نحو أبيها فأخبرته. فهرع لوط يجري نحو الغرباء. فلم يكد يراهم حتى {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} سألهم: من أين جاءوا؟ .. وما هي وجهتهم؟.. فصمتوا عن إجابته. وسألوه أن يضيفهم.. استحى منهم وسار أمامهم قليلا ثم توقف والتفت إليهم يقول: لا أعلم على وجه الأرض أخبث من أهل هذا البلد.
وكان الصراع يجري داخله محاولا التوفيق بين أمرين.. صرف ضيوفه عن المبيت في القرية دون إحراجهم، وبغير إخلال بكرم الضيافة.. عبثا حاول إفهامهم والتلميح لهم أن يستمروا في رحلتهم، دون نزول بهذه القرية.
سقط الليل على المدينة.. صحب لوط ضيوفه إلى بيته.. لم يرهم من أهل المدينة أحد.. لم تكد زوجته تشهد الضيوف حتى تسللت خارجة بغير أن تشعره. أسرعت إلى قومها وأخبرتهم الخبر.. وانتشر الخبر مثل النار في الهشيم.
وجاء قوم لوط له مسرعين.. تساءل لوط بينه وبين نفسه: من الذي أخبرهم؟.. وقف القوم على باب البيت.. خرج إليهم لوط متعلقا بأمل أخير، وبدأ بوعظهم: {هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}.. قال لهم: أمامكم النساء -زوجاتكم- هن أطهر.. فهن يلبين الفطرة السوية.. كما أن الخالق -جلّ في علاه- قد هيّئهن لهذا الأمر.
{فَاتَّقُواْ اللّهَ}.. يلمس نفوسهم من جانب التقوى بعد أن لمسها من جانب الفطرة.. اتقوا الله وتذكروا أن الله يسمع ويرى.. ويغضب ويعاقب وأجدر بالعقلاء اتقاء غضبه.
{وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي}.. هي محاولة يائسة لِلَمْس نخوتهم وتقاليدهم. و ينبغي عليهم إكرام الضيف لا فضحه.
{أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ}.. أليس فيكم رجل عاقل؟.. إن ما تريدونه -لو تحقق- هو عين الجنون.
إلا أن كلمات لوط عليه السلام لم تلمس الفطرة المنحرفة المريضة، ولا القلب الجامد الميت، ولا العقل المريض الأحمق.. ظلت الفورة الشاذة على اندفاعها.
أحس لوط بضعفه وهو غريب بين القوم.. نازح إليهم من بعيد بغير عشيرة تحميه، ولا أولاد ذكور يدافعون عنه.. دخل لوط غاضبا وأغلق باب بيته.. كان الغرباء الذين استضافهم يجلسون هادئين صامتين.. فدهش لوط من هدوئهم.. وازدادت ضربات القوم على الباب.. وصرخ لوط في لحظة يأس خانق: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} تمنى أن تكون له قوة تصدهم عن ضيفه.. وتمنى لو كان له ركن شديد يحتمي فيه ويأوي إليه.. غاب عن لوط في شدته وكربته أنه يأوي إلى ركن شديد.. ركن الله الذي لا يتخلى عن أنبيائه وأوليائه.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ هذه الآية: (رحمة الله على لوط.. كان يأوي إلى ركن شديد).
عندما بلغ الضيق ذروته.. وقال النبي كلمته.. تحرك ضيوفه ونهضوا فجأة.. أفهموه أنه يأوي إلى ركن شديد.. فقالوا له لا تجزع يا لوط ولا تخف.. نحن ملائكة.. ولن يصل إليك هؤلاء القوم.. ثم نهض جبريل، عليه السلام، وأشار بيده إشارة سريعة، ففقد القوم أبصارهم.
التفتت الملائكة إلى لوط وأصدروا إليه أمرهم أن يصحب أهله أثناء الليل ويخرج.. سيسمعون أصواتا مروعة تزلزل الجبال.. لا يلتفت منهم أحد.. كي لا يصيبه ما يصيب القوم.. أي عذاب هذا؟.. هو عذاب من نوع غريب، يكفي لوقوعه بالمرء مجرد النظر إليه.. أفهموه أن امرأته كانت من الغابرين.. امرأته كافرة مثلهم وستلتفت خلفها فيصيبها ما أصابهم.
سأل لوط الملائكة: أينزل الله العذاب بهم الآن.. أنبئوه أن موعدهم مع العذاب هو الصبح.. {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ؟}
ودمر الله المدينة وجعل عاليها سافلها . وانجا آل لوط إلا امرأته كانت من الغابرين ، وتلقى مصير الظالمين ، وتذهب إلى حيث عاد وثمود .

5- امرأة العزيز

هي المقصودة في قوله تعالى في سورة يوسف " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته اكرمى مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا " ( يوسف 21) وهذا الرجل هو عزيز مصر وكان صاحب منصب من أهم المناصب في مصر . أما امرأته المذكورة في الايه هي زوجته زليخا وكانت من جميلات النساء في مصر .
كانت امرأة ذات حسب وجاه وسلطه ، تزوجت من العزيز الذي كان يكبرها بسنوات كثيرة . وفى بعض الأقاويل انه كان عنينا لايقرب النساء . مما جعلها تعانى حرمانا شديدا.
ولقد روى لنا القران الكريم في سورة يوسف ماكان منها مع يوسف في بلاغة شديدة . قال تعالى : " {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)}... (يوسف).
يبدو أن يوسف -عليه السلام- آثر الانصراف متجها إلى الباب حتى لا يتطور الأمر أكثر. لكن امرأة العزيز لحقت به لتمسكه، تدفعها الشهوة لذلك. فأمسكت قميصه من الخلف، فتمزق في يدها. وهنا تقطع المفاجأة. فتح الباب زوجها -العزيز. وهنا تتبدى المرأة المكتملة، فتجد الجواب حاضرا على السؤال البديهي الذي يطرح الموقف. فتقول متهمة الفتى: {قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
واقترحت هذه المرأة -العاشقة- سريعا العقاب -المأمون- الواجب تنفيذه على يوسف، خشية أن يفتك به العزيز من شدة غضبه. بيّنت للعزيز أن أفضل عقاب له هو السجن. بعد هذا الاتهام الباطل والحكم السريع جهر يوسف بالحقيقة ليدافع عن نفسه:" قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي"
تجاوز السياق القرآني رد الزوج، لكنه بين كيفية تبرئة يوسف -عليه السلام- من هذه التهمة الباطلة: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)}... (يوسف).
انتهى الحادث الأول.. لكن الفتنة لم تنته.. فلم يفصل سيد البيت بين المرأة وفتاها.. كل ما طلبه هو إغلاق الحديث في هذا الموضوع. غير أن هذا الموضوع بالذات. وهذا الأمر يصعب تحقيقه في قصر يمتلئ بالخدم والخادمات والمستشارين والوصيفات.
بدأ الموضوع ينتشر.. خرج من القصر وانتشر في المدينة كلها.. ووجدت فيه نساء المدينة مادة شهية للحديث... وزاد حديث المدينة {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وانتقل الخبر من فم إلى فم.. ومن بيت إلى بيت.. حتى وصل لامرأة العزيز.
{فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)}... (يوسف).
عندما سمعت امرأة العزيز بما تتناقله نساء الطبقة العليا عنها، قررت أن تعد مأدبة كبيرة في القصر. وأعدت الوسائد حتى يتكئ عليها المدعوات. واختارت ألوان الطعام والشراب وأمرت أن توضع السكاكين الحادة إلى جوار الطعام المقدم. ووجهت الدعوة لكل من تحدثت عنها. وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة، فاجأتهن بيوسف: وَقَالَتِ: {اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا. رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة. {وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ} وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا عن الدهشة بصنع الله.. {مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}
ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها،فقالت قولة المرأة المنتصرة، التي لا تستحي أمام النساء من بنات جنسها وطبقتها، والتي تفتخر عليهن بأن هذا متناول يدها؛ وإن كان قد استعصم في المرة الأولى فهي ستحاول المرة تلو الأخرى إلى أن يلين . قالت " فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ماامره به ليسجنن وليكونا من الصاغرين "يوسف32
إنها لم ترى بأسا من الجهر بنزواتها الأنثوية أمام نساء طبقتها. فقالتها بكل إصرار وتبجح، قالتها مبيّنة أن الإغراء الجديد تحت التهديد.
واندفع النسوة كلهم إليه يراودنه عن نفسه.. كل منهن أرادته لنفسها.. ويدلنا على ذلك أمران. الدليل الأول هو قول يوسف عليه السلام {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} فلم يقل {ما تدعوني إليه}.. والأمر الآخر هو سؤال الملك لهم فيما بعد {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ}.
أمام هذه الدعوات -سواء كانت بالقول أم بالحركات واللفتات- استنجد يوسف بربه ليصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن، خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم، فيقع فيما يخشاه على نفسه.
دعا يوسف الله دعاء الإنسان العارف ببشريته، الذي لا يغتر بعصمته؛ فيريد مزيدا من عناية الله ، ويعاونه على ما يعترضه من فتنة وكيد وإغراء. {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} واستجاب له الله.. وصرف عنه كيد النسوة.
وتمر الأيام ويموت العزيز ويوسف لازال سجينا . ويفسر رؤيا الملك الذي يطلبه ليستخلصه لنفسه ولكنه يرفض الخروج من السجن قبل أن تبرأه نسوة المدينة وامرأة العزيز الراحل من التهمه الباطلة التي رمينه بها . وكانت امرأة العزيز صادقه مع ربها ونفسها فبرأته وقالت "
أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} شهادة كاملة بإثمها هي، وبراءته ونظافته وصدقه هو. شهادة لا يدفع إليها خوف أو خشية أو أي اعتبار آخر.. يشي السياق القرآني بحافز أعمق من هذا كله.
حرصها على أن يحترمها الرجل الذي أهان كبرياءها الأنثوية، ولم يعبأ بفتنتها الجسدية. ومحاولة يائسة لتصحيح صورتها في ذهنه. لا تريده أن يستمر على تعاليه واحتقاره لها كخاطئة. تريد أن تصحح فكرته عنها: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ}.
ثم تمضي في هذه المحاولة والعودة إلى الفضيلة التي يحبها يوسف ويقدرها {وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ}. وتمضي خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة {وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
إن تأمل الآيات يوحي بأن امرأة العزيز قد تحولت إلى دين يوسف. تحولت إلى التوحيد. إن سجن يوسف كان نقلة هائلة في حياتها. آمنت بربه واعتنقت ديانته.
يهمل السياق القرآني بعد ذلك قصة امرأة العزيز تماما،فلا نعرف ماذا كان من أمرها بعد شهادتها الجريئة التي أعلنت فيها ضمنا إيمانها بدين يوسف.
وقد لعبت الأساطير دورها في قصة المرأة.. قيل: إن زوجها مات وتزوجت من يوسف، فاكتشف أنها عذراء، واعترفت له أن زوجها كان شيخا لا يقرب النساء.. وقيل: إن بصرها ضاع بسبب استمرارها في البكاء على يوسف، خرجت من قصرها وتاهت في طرقات المدينة، فلما صار يوسف كبيرا للوزراء، ومضى موكبه يوما هتفت به امرأة ضريرة تتكفف الناس: سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية، وجعل العبيد ملوكا بالطاعة.
سأل يوسف: صوت من هذا؟ قيل له: امرأة العزيز. انحدر حالها بعد عز. واستدعاها يوسف وسألها: هل تجدين في نفسك من حبك لي شيئا؟
قالت: نظرة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا يا يوسف.. ناولني نهاية سوطك. فناولها. فوضعته على صدرها، فوجد السوط يهتز في يده اضطرابا وارتعاشا من خفقان قلبها.
ويكفى امرأة العزيز شرفا أن الله كرمها بورود قصتها مع يوسف في القران الكريم فصارت من النساء اللاتي ورد فيهن قرانا ، فخلدت ابد الدهر بخلود القران الكريم.

الاثنين، 17 أغسطس 2009

3- زوجة إبراهيم عليه السلام

3-( السيدة سارة)
جاء ذكرها في الكتب باسم "سارة" ، وهى ابنة عم إبراهيم عليه السلام قبل أن تكون زوجته . وهى أول من امن بدعوة إبراهيم من الناس وليس من النساء فحسب . وقد ذكرها القران في أكثر من موضع. قال تعالى على لسانها حين بشرت بإسحاق :" {قَالَت يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)} (سورة هود).وكانت من المهاجرين مع إبراهيم من ارض بابل إلى ارض فلسطين.وهناك تعرضت لمحنه شديدة حيث أسرها جنود ملك مصر في غاره حدودية وحملوها سبيه إلى الملك لما رأوا جمالها الأخاذ.
وتأتي بعض الروايات لتبين قصة إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة مع ملك مصر. فتقول: وصلت الأخبار لملك مصر بوصول رجل لمصر يسأل عن امرأة هي أجمل نساء الأرض وهى سبيه تحت يديه. فطمع بها لما رآها. وأرسل إلى جنوده وأمرهم بأن يسألوا عن الرجل الذي يسأل عنها، فإن كان زوجها فليقتلوه. فجاء الوحي لإبراهيم عليه السلام بذلك.
فقال إبراهيم -عليه السلام- لسارة إن سألوك عني فأنت أختي -أي أخته في الله-، وقال لها ما على هذه الأرض مؤمن غيري وغيرك -فكل أهل مصر كفرة، ليس فيها موحد لله عز وجل. فجاء الجنود وسألوا إبراهيم: ما تكون هذه منك؟ قال: أختي.
لما عرفت سارة أن ملك مصر فاجر ويريدها له أخذت تدعوا الله قائلة: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر.
فلما أدخلوها عليه. مد يده إليها ليلمسها فشلّ وتجمدت يده في مكانها، فبدأ بالصراخ لأنه لم يعد يستطيع تحريكها، وجاء أعوانه لمساعدته لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء. فخافت سارة على نفسها أن يقتلوها بسبب ما فعلته بالملك. فقالت: يا رب اتركه لا يقتلوني به. فاستجاب الله لدعائها.
لكن الملك لم يتب وظن أن ما حدث كان أمرا عابرا وذهب. فهجم عليها مرة أخرى. فشلّ مرة ثانية. فقال: فكيني. فدعت الله تعالى فَفَكّه. فمد يده ثالثة فشلّ. فقال: فكيني وأطلقك وأكرمك. فدعت الله سبحانه وتعالى فَفُك. فصرخ الملك بأعوانه: أبعدوها عني فإنكم لم تأتوني بإنسان بل أتيتموني بشيطان.فأطلقها وأعطاها شيئا من الذهب، كما أعطاها أَمَةً اسمها (هاجر).
وكانت سارة لا تلد. وكان إبراهيم قد صار شيخا، وابيض شعره من خلال عمر مديد أنفقه في الدعوة إلى الله، وفكرت سارة إنها وإبراهيم وحيدان، وهي لا تنجب أولادا، ماذا لو قدمت له السيدة المصرية لتكون زوجة لزوجها؟ وكانت (هاجر) المصرية هي الزوجة الثانية.
وهكذا زوجت سارة سيدنا إبراهيم من هاجر، وولدت هاجر ابنها الأول فأطلق والده عليه اسم (إسماعيل). كان إبراهيم شيخا حين ولدت له هاجر أول أبنائه إسماعيل.
استيقظ إبراهيم يوما فأمر زوجته هاجر أن تحمل ابنها وتستعد لرحلة طويلة. وبعد أيام بدأت رحلة إبراهيم مع زوجته هاجر ومعهما ابنهما إسماعيل. وكان الطفل رضيعا لم يفطم بعد. وظل إبراهيم يسير وسط أرض مزروعة تأتي بعدها صحراء تجيء بعدها جبال. حتى دخل إلى صحراء الجزيرة العربية، وقصد إبراهيم واديا ليس فيه زرع ولا ثمر ولا شجر ولا طعام ولا مياه ولا شراب. كان الوادي يخلو تماما من علامات الحياة.
وصل إبراهيم إلى الوادي، وهبط من فوق ظهر دابته. وأنزل زوجته وابنه وتركهما هناك، ترك معهما جرابا فيه بعض الطعام، وقليلا من الماء. ثم استدار وتركهما وسار.
أسرعت خلفه زوجته وهي تقول له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه شيء؟
لم يرد عليها سيدنا إبراهيم. ظل يسير. عادت تقول له ما قالته وهو صامت. أخيرا فهمت أنه لا يتصرف هكذا من نفسه. أدركت أن الله أمره بذلك وسألته: هل الله أمرك بهذا؟ قال إبراهيم عليه السلام: نعم.
قالت زوجته المؤمنة العظيمة: لن نضيع ما دام الله معنا وهو الذي أمرك بهذا. وسار إبراهيم حتى إذا أخفاه جبل عنهما وقف ورفع يديه الكريمتين إلى السماء وراح يدعو الله: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}.
ورغم أن اليهود يقدسون شخصية السيدة سارة ويعتبرون أنفسهم أبناءها إلا أنها لم تسلم من افتراءاتهم حيث اتهموها بالغيرة الشديدة من السيدة هاجر وأنها لما علمت بحملها أخذت تضطهدها وتكلفها بشاق الأعمال حتى تجهضها ، وان هاجر قد حاولت الهرب بحملها لولا أن جاءها ملاك من عند الرب فأمرها بالعودة وبشرها أن ابنها سيصبح امة ونبيا من الصالحين. وبعد مولد إسماعيل اتهموها أنها هي التي أمرت إبراهيم بإخراجها وطفلها من الأرض التي تسكنها هي.
وهذه المقولات تظلم السيدة سارة ظلما بينا . فقد كانت امرأة صالحه ومن اشد المؤمنات بالدعوة ولايمكن أن تأتى بأفعال ظالمه، بالاضافه إلى أن إبراهيم عليه السلام لم يكن ليسكت على ظلم "هاجر" مهما كان حبه وتقديره لزوجته الأولى . وإذا كان قد خرج ب"هاجر" وطفلها ليبعدهما عن "سارة" فلما يذهب بهما إلى صحراء بعيدة وقفار لم يطأها بشر ، إلى وادي ليس به ورع ولاماء إلا إذا كان بأمر الله تعالى.
هبطت على الأرض أقدام ثلاثة من الملائكة: جبريل وإسرافيل وميكائيل. يتشكلون في صور بشرية من الجمال الخارق. ساروا صامتين. مهمتهم مزدوجة. المرور على إبراهيم وتبشيره. ثم زيارة قوم لوط ووضع حد لجرائمهم.
اختار إبراهيم عجلا سمينا وأمر بذبحه، فذكروا عليه اسم الله وذبحوه. وبدأ شواء العجل على الحجارة الساخنة. وأعدت المائدة. ودعا إبراهيم ضيوفه إلى الطعام. أشار إبراهيم بيده أن يتفضلوا باسم الله، وبدأ هو يأكل ليشجعهم. كان إبراهيم كريما يعرف أن الله لا يتخلى عن الكرماء وربما لم يكن في بيته غير هذا العجل، وضيوفه ثلاثة ونصف شاة يكفيهم ويزيد، غير أنه كان سيدا عظيم الكرم.
راح إبراهيم يأكل ثم استرق النظر إلى ضيوفه ليطمئن أنهم يأكلون. لاحظ أن أحدا لا يمد يده إلى الطعام. قرب إليهم الطعام وقال: ألا تأكلون؟ عاد إلى طعامه ثم اختلس إليهم نظرة فوجدهم لا يأكلون.. رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام. عندئذ {أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}. في تقاليد البادية التي عاش فيها إبراهيم، كان معنى امتناع الضيوف عن الأكل أنهم يقصدون شرا بصاحب البيت.
كان الملائكة يقرءون أفكاره التي تدور في نفسه، دون أن يشي بها وجهه. قال له أحد الملائكة: {لاَ تَخَفْ}. رفع إبراهيم رأسه وقال بصدق عظيم وبراءة: اعترف إنني خائف. لقد دعوتكم إلى الطعام ورحبت بكم، ولكنكم لا تمدون أيديكم إليه.. هل تنوون بي شرا؟
ابتسم أحد الملائكة وقال: نحن لا نأكل يا إبراهيم.. نحن ملائكة الله.. وقد {أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}.
ضحكت زوجة إبراهيم.. كانت قائمة تتابع الحوار بين زوجها وبينهم، فضحكت.
التفت إليها أحد الملائكة وبشرها بإسحاق. صكت العجوز وجهها تعجبا: {قَالَت يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)} (سورة هود).
عاد أحد الملائكة يقول لها: {وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ}
جاشت المشاعر في قلب إبراهيم وزوجته. شف جو الحجرة وانسحب خوف إبراهيم واحتل قلبه نوع من أنواع الفرح الغريب المختلط. كانت زوجته العاقر تقف هي الأخرى وهي ترتجف. إن بشارة الملائكة تهز روحها هزا عميقا. إنها عجوز عقيم وزوجها شيخ كبير. كيف؟! كيف يمكن؟!
وسط هذا الجو الندي المضطرب تساءل إبراهيم: {أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54)} (سورة الحجر).
أكان يريد أن يسمع البشارة مرة أخرى؟ أكان يريد أن يطمئن قلبه ويسمع للمرة الثانية منة الله عليه؟ أكان ما بنفسه شعورا بشريا يريد أن يستوثق؟ ويهتز بالفرح مرتين بدلا من مرة واحدة؟ أكد له الملائكة أنهم بشروه بالحق.
{قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ (55)} (سورة الحجر). {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ (56)} (سورة الحجر).
لم يفهم الملائكة إحساسه البشري، فنوه عن أن يكون من القانطين، وأفهمهم أنه ليس قانطا.. إنما هو الفرح.
لم تكن البشرى شيئا بسيطا في حياة إبراهيم وزوجته. لم يكن لإبراهيم غير ولد واحد هو إسماعيل، تركه هناك بعيدا في الجزيرة العربية. ولم تكن زوجته سارة قد أنجبت خلال عشرتها الطويلة لإبراهيم، وهي التي زوجته من جاريتها هاجر. ومن هاجر جاء إسماعيل. أما سارة، فلم يكن لها ولد. وكان حنينها إلى الولد عظيما، لم يطفئ مرور الأيام من توهجه. ثم دخلت شيخوختها واحتضر حلمها ومات. كانت تقول: إنها مشيئة الله عز وجل.
هكذا أراد الله لها. وهكذا أراد لزوجها. ثم ها هي ذي في مغيب العمر تتلقى البشارة. ستلد غلاما. ليس هذا فحسب، بشرتها الملائكة بأن ابنها سيكون له ولد تشهد مولده وتشهد حياته. لقد صبرت طويلا ثم يئست ثم نسيت. ثم يجيء جزاء الله مفاجأة تمحو هذا كله في لحظة.
فاضت دموعها وهي تقف. وأحس إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإحساس محير. جاشت نفسه بمشاعر الرحمة والقرب، وعاد يحس بأنه إزاء نعمة لا يعرف كيف يوفيها حقها من الشكر. وخرّ إبراهيم ساجدا على وجهه.
ومعه سارة الزوجة الصالحة الصابرة المؤمنة.

2 - امرأة نوح

2- امرأة نوح
حين أراد الله سبحانه وتعالى أن يضرب مثلا للذين كفروا من النساء كانت امرأة نوح عليه السلام هي المثل ومعها امرأة لوط عليه السلام. قال تعالى في نهاية سورة التحريم :" ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخاناتهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين "( التحريم 10).
وخيانتها التي تحدث عنها القران ليست خيانة الفاحشة وإنما هي خيانة في الدين . فهي لم تكتفي برفض دعوة زوجها بالعودة إلى الدين الحق وعبادة الله وحده ونبذ عبادة الأوثان فحسب وإنما تمادت فحرضت أولادها على الكفر والعصيان وعدم إتباع ماجاء به أبوهم من الحق ، وتأثر بها احد الأولاد ولم يؤمن بدعوة أبيه نوح عليه السلام.
وكانت أيضا من الساخرين به حين بدأ في صناعة السفينة التزاما بأمر الله تعالى، وكانت تحرض الناس على السخرية به وبما يفعل. وقد عاشت دهرا طويلا كانت فيه عقبة في طريق الدعوة فاستحقت غضب ربها وعذابه فأغرقها الله عز وجل في الطوفان مع المغرقين هي وابنها ولم يغنى عنها أنها كانت زوجة لنبي كريم وقيل لها ادخلي النار مع الداخلين من المكذبين والضالين.
قال تعالى: " {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} يغرق الله الذين ظلموا مهما كانت أهميتهم أو قرابتهم للنبي، وينهى الله نبيه أن يخاطبه أو يتوسط لهم. ومن الواضح جدا أن هذه الآيات كانت تقصد امرأة نوح وابنها في المقام الأول لأن نوح عليه السلام لم يكن يخاطب الله إلا في أهله.
ومن هنا نتعلم أن الزوجة الصالحة نعمه من نعم الله على بني ادم . وزوجة نوح لم تكن زوجه صالحه رغم أنها كانت تحت عبد من عباد الله الصالحين فاستحقت أن تكون مع الغابرين ويصدق فيها قول الله عز وجل في سورة (هود)بعد انتهاء الطوفان: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)}... (هود).

1 - حواء

1- السيدة حواء
هي حواء أم البشر أجمعين ، منها جاء كل الرجال والنساء ، وكلنا يحمل منها شيئا إلى أن تقوم الساعة.. ورد ذكرها في قوله تعالى:
( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة) البقرة 35 .وهى من كان موجها إليها الخطاب مع ادم عليه السلام في ماتلى هذه الايه من آيات ( وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) البقرة 35 (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) البقرة 36 وقد تغير الخطاب من المثنى للجمع حيث أصبح إبليس لعنة الله عليه ثالثهما.
كان آدم يحس الوحدة.. فخلق الله حواء من أحد أضلاعه، فسمّاها آدم حواء. وأسكنهما الجنة.وهى " حواء" لأنها خلقت من شيء حي ، حيث أنها خلقت من ضلع ادم عليه السلام . وتقول كتب التاريخ أن ادم قام من نومه فوجدها إلى جواره فانسها ولم يفارقها بعد ذلك . ومنها أنجب ادم كل أبنائه وكانت شريكته في كل شيء وفى كل عمل يقوم به حيث لم يكن على الأرض غيرهما.
وهى أول امراه ، ولذا فهي أجملهن على الإطلاق لان كل امرأة فيها بعض من حواء ، أما هي فمنها جاء كل النساء . وهى أكثرهن خصوبة ولا توجد امراه بعدها- حيث لايوجد نساء قبلها- أنجبت هذا العدد من الأولاد . وهى الوحيدة التي ظلت في حالة إنجاب حتى توفيت . وجاء في التوراة( سفر التكوين ) أن ادم عليه السلام قد طاف بامرأته وهو في عامه الثماني مائه وأنجب منها ولده شيث. وكانت تنجب في البطن الواحدة توأما ، إما ذكرين وإما بنتين وإما ذكر وأنثى .
وهى الوحيدة بين نساء العالمين التي ليست ابنه لأحد لأنه ليس معنى أنها خلقت من ادم أن تكون ابنته ، وليست أختا لأحد وبالتالي ليست خاله ولاعمه شانها شان بقية النساء . وإنما هي زوجة ادم وأم أولاده وجدة الأحفاد وحسب.
ويرى البعض أنها من استجاب لدعوة الشيطان لها ولأدم بالأكل من الشجرة المحرمة وأنها هي من شجعت ادم على عصيان أمر الله عز وجل " ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " فجعلته يأكل من الشجرة فكانت النتيجة أن بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليها من ورق الجنة ، ثم طردهما الله عز وجل من الجنة . وبالتالي تصبح حواء هي المسئولة عن خروج بني ادم من الجنة.
ولكن هذه النظرية ظلمت أمنا حواء وحملتها المسئولية عن الذنب وتبعاته وحدها دون أبينا ادم ، ولكنهما معا مسئولان ، فالشيطان وسوس لهما معا وزين لهما معا الأكل من الشجرة إذ قال لهما أن الله منعهما من أن يأكلا من هذه الشجرة حتى لايكونا ملكين أو من الخالدين . {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى}. وخطاب الشيطان هنا نلاحظ انه موجه إلى ادم عليه السلام وليس إلى حواء. تساءل أدم بينه وبين نفسه. ماذا يحدث لو أكل من الشجرة. .؟ ربما تكون شجرة الخلد حقا، وكل إنسان يحب الخلود. ومرت الأيام وآدم وحواء مشغولان بالتفكير في هذه الشجرة. ثم قررا يوما أن يأكلا منها. نسيا أن الله حذرهما من الاقتراب منها. نسيا أن إبليس عدوهما الأول. ومد آدم يده إلى الشجرة وقطف منها إحدى الثمار وقدمها لحواء. وأكل الاثنان من الثمرة المحرمة.
ليس صحيحا ما تذكره صحف اليهود من إغواء حواء لآدم وتحميلها مسئولية الأكل من الشجرة. إن نص القرآن لا يذكر حواء. إنما يذكر آدم -كمسئول عما حدث- عليه الصلاة والسلام. وهكذا أخطأ الشيطان وأخطأ آدم. أخطأ الشيطان بسبب الكبرياء، وأخطأ آدم بسبب الفضول.
وهذا معناه أن ادم هو الذي أخطأ وهى انساقت وراءه في نفس الخطأ . وهذا لايعفيها من المسئولية لأنها مكلفة مثل ادم تماما ولكن ادم هو المسئول الأول.وما جاء في التوراة يجافى الحقيقة حيث قال اليهود أن الشيطان ذهب إلى ادم أولا ففشل فذهب إلى حواء مستغلا ضعفها وميلها للحياة فاستجابت وتمكنت هي بما لها من تأثير انثوى على ادم من إقناعه بما فشل الشيطان فيه . وهى بهذا تكون أسوأ من الشيطان على ادم . ولكن هذه دعوى باطله ابتليت بها أمنا حواء وانتقلت لعنتها إلى كل بناتها من الأجيال التالية وأصبح الرجال يحذرون من فتنة النساء حيث أنها اخطر عليهم من فتنة الشيطان . وكانت آيات القران صريحة حيث قال تعالى " فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه " وبالتالي كان التحذير الالهى لهما معا وان كان الخطاب يجعل من ادم القائد وبالتالي يكون هو المسئول الأول ، وأن الشيطان وسوس لهما معا وأزلهما معا وبالتالي تكون المسئولية مشتركة بينهما.
والمسئولية هنا ليست عن الخروج من الجنة ولكن في الذنب وارتكاب الخطأ المتمثل في عصيان أمر الله عز وجل، أما مسالة الخروج من الجنة فهما كانا سيخرجان منها لامحاله لان الجنة لم تكن دار استقرار بالنسبة لهما وإنما هي أشبه بمكان تدريب لهما على الحياة ، والأرض كانت هي دار الاستقرار الحقيقية والتي أعدت لهما وللأجيال التالية التي ستخرج منهما " وقلنا اهبطوا منها جميعا ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" (البقرة36) وقال أيضا " وقلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون" ( البقرة 38).

نساء فى القران

تساء في القران
النساء اللاتي ورد فيهن فرانا واللائي سنتحدث عنهم في هذه الدراسة إن شاء الله تعالى :
(1) حواء: ورد ذكرها في قوله تعالى:( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة) البقرة 35 .
وهي حواء، وسميت بهذا الاسم، لأنها خلقت من شيء حيّ.(2) مريم: ورد ذكرها في قوله تعالى:( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا)ً مريم 16)وقد سميت باسمها سورة من سور القرآن الكريم (سورة مريم).
(3) امرأة لوط: ورد ذكرها في قوله تعالى( ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط) التحريم 10.وكانت خيانتها في الدين، ولم تكن في الفاحشة، حيث كانت تدل قومها على اضياف لوط عليه السلام.
(4) امرأة نوح: ورد ذكرها في قوله تعالى ( ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح) التحريم 10.
وكانت خيانتها كذلك في الدين، وليس في الفاحشة، حيث كانت تسخر مع قومها الساخرين من نوح عليه السلام.(5) زوجة زكريا: ورد ذكرها في قوله تعالى( قال أنَّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر، وامرأتي عاقرا) آل عمران 40 وابنها يحيى، الذي ورد ذكره قي قوله تعالى( يا يحيى خذ الكتاب بقوة) .(6) زوجة إبراهيم: سارة بنت عمه عليه الصلاة والسلام أم إسحاق، ورد ذكرها في قوله تعالى (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) هود 71.
(7) زوجة عزيز مصر: وهي زليخا، ورد ذكرها في قوله تعالى :( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه) يوسف 21، وعزيز مصر الذي اشترى يوسف عليه السلام كان يدعى قطفين.(8) نسوة المدينة: ورد ذكرهن في قوله تعالى:( وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه) يوسف 30، وقيل أنهن خمسة: امرأة الساقي، وامرأة الحاجب، وامرأة الخباز، وامرأة السجّان، وامرأة صاحب الدواب.
(9) ناقضة الغزل: وهي ريطة بنت عمرو بن سعد بن زيد، ورد ذكرها في قوله تعالى:( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً) النحل 92.
وكانت خرقاء تغزل هي وجواريها من الغداة إلى نصف النهار، ثم تأمرهن فينقضن جميعاً ما غزلن، فكان هذا دأبها لاتكف عن الغَزل، ولا تبقي ما غزلت.
(10) زوجة موسى: ورد ذكرها في قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى، إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا) طه 10، وهي صفورا بنت شعيب عليه السلام.
(11) أم موسى: ورد ذكرها في قوله تعالى:( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) القصص 7، وهي يوكابد، أُمرت بإلقاء ابنها موسى عليه السلام في اليمّ (نيل مصر).
(12) أخت موسى: ورد ذكرها في قوله تعالى( وقالت لأخته قصيه)القصص 11، وكانت أسنّ من موسى عليه السلام، ومن هارون.
(13) بلقيس: ورد ذكرها في قوله تعالى:( إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) النمل 23، وهي بلقيس بنت شراحيل، غلبت على المُلك بعد أبيها، وكان قومها يعبدون الشمس، وعرشها كان من ذهب وفضة مكلل بأنواع الجواهر.(14) امرأة فرعون: ورد ذكرها في قوله تعالى( وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون) التحريم 11، وهي آسية بنت مزاحم، ولم يكن لها ولد، وقيل هي التي سمّت موسى بهذا الاسم، لأنه وُجد بين ماء وشجر, أظهرت إيمانها يوم الزينة، فأمر فرعون أن توتد على ظهرها أوتاد، وأن ترضخ بصخرة عظيمة إن لم ترجع، فقالت (رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة) .
(15) المُجادلة: ورد ذكرها في قوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله) "المجادلة "1 وهي خوله بنت حكيم وقيل: خوله بنت ثعلبة، وزوجها هو أوس بن الصامت رضي الله عنه.
(16) حمّالة الحطب: ورد ذكرها في قوله تعالى: (وامرأته حمالة الحطب)" المسد 4"، وهي أم جميل بنت حرب بن أمية، كانت تحمل الشوك، فتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجها أبو لهب: عبدا لعزى، كني بذلك لتلهّب وجنتيه وإشراقهما، أو في النار مناسبة لحاله فيها.
(17) امرأة عمران التي ذكرت في قول الله تعالى " إذ قالت امرأة عمران رب انى نذرت لك ما في بطني محررا " ( آل عمران 35)
(18) أمهات المؤمنين وخاصة السيدة زينب بنت جحش التي أمر الله نبيه بالزواج منها في القران لإرساء مبدأ تشريعي وهو جواز نكاح زوجة الابن بالتبني ، والسيدة عائشة التي برأها القران من تهمة الافك في سورة التوبة ، والسيدة حفصة التي نزل فيها قران هي والسيدة عائشة فى سورة التحريم.

نساء فى القران ( مقدمه)

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لاشريك له مااتخذ صاحبة ولا ولدا ، سبحانه خلق الزوجين الذكر والأنثى ، وخلق منهما شعوبا كثيرة وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ، واشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله ، وصفيه من خلقه وحبيبه ، واشهد انه قد أدى الأمانة ونصح الامه وكشف الله به الغمة حتى أتاه اليقين .
سبحانه وتعالى خلق ادم من طين ، خلقه من صلصال من حما مسنون، خلقه فسواه فعدله وأحسن تصويره ، ثم خلق منه زوجه فكانت حواء أم البشر..هي حواء لأنها خلقت من حياه ،ومنها كانت كل الحياة ، ومنهما كانت كل شعوب الأرض ، الأبيض والأسود والأصفر.
وعاشت النساء من عصر حواء تابعة للرجال ، فان كان الرجل تقيا حفظها في نفسها ودينها ولم يظلمها ، وان كان غير ذلك ظلمها وعاملها معاملة العبيد لاحقوق لها تباع وتشترى كأي سلعه.. إن كانت زوجه كان لها قليل من الحقوق وان كانت أمه فلا حقوق لها.. إن مات عنها أبواها فلا ترث ، وان مات عنها زوجها ولم يكن له منها ولد أصبحت كالمتاع والأموال يرثها أولاده الآخرون . وليس لها حق في أموال ولا عقارات. وجاء الإسلام فكرمها واعتقها مما كانت فيه من أغلال وأعاد إليها كرامتها المفقودة عبر السنين.
ونزل القران المجيد من لدن عزيز حكيم على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم ليكرمها أولا فهي الأم والأخت والزوجة والابنة والحفيدة ، ثم أعاد إليها حقوقها بان جعل لها الحق في ذمه ماليه منفصلة عن الزوج وجعل لها نصيب معلوم مما ترك الوالدان والأقربون . واشترط على الرجل الذي يريد الزواج منها أن يعطيها المهر الذي تطلبه وان يتعهد أمام الله أن يعاملها معاملة حسنه يرضى عنها الله وان يسكنها حيث يسكن ، وان يطعمها مما يطعم، ويشربها مما يشرب، ويكسوها كما يكسو نفسه، اى جعل الرجل مسئولا مسئوليه شرعيه كاملة عنها طالما كانت على ذمته . وان هو طلقها عليه أن يؤدى لها مؤخر صداقها وان يمتعها حسب حالته المادية .
وفى القران الكريم سورة كريمه كاملة باسم سورة النساء ، حدد فيها رب العزة كثير من حقوق النساء في الميراث وعند الزواج ، كما تحوى على كثير من الوصايا بهن ، وعرفتهن ماعليهن من واجبات نحو الزوج والولد والناس ومالهن من حقوق عند الزوج والولد والناس.
وقد تحدث القران عن كثير من النساء ، مؤمنات وغير مؤمنات ، منهن من ذكر اسمها صراحة ( السيدة مريم العذراء) ومنهن من ذكرها القران بلفظ أم ( أم موسى ) ومنهن من ذكرت بلفظ زوجة ( زوجة إبراهيم) ومنهن من ذكرت بلفظ امرأة ( امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون وامرأة عمران وامرأة العزيز ) ومنهن من ذكرت تلميحا باستخدام الضمير مثل قوله تعالى في الآية الكريمة " فلما قضى زيد منها وتر " ويقصد بها أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش .
وموضوع دراستنا هذه عنوانه " نساء في القران وسنتحدث عن كل واحده منهن في باب منفصل وبالتفصيل إن شاء الله تعالى . والله الموفق.
ولقد وصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء قال مامعناه " استوصوا بالنساء خيرا " وقال أيضا " رفقا بالقوارير".
ونهدف من هذه الدراسة تقديم صور ونماذج لأختنا المؤمنة من القران الكريم أولا لتعرف فضل القران والإسلام عليها أمام الدعاوى القادمة من الغرب التي تتهم الإسلام انه دين التخلف وانه يظلم المراه.وثانيا علهن يجدن العبرة في قصص هؤلاء فيتعظن مما حدث لغير المؤمنات ويتخذن المؤمنات قدوه حسنه.