السبت، 29 أغسطس 2009

12- أمهات المؤمنين

عائشة بنت أبى بكر ( الصديقة بنت الصديق)
هي عائشـة بنت أبي بكر الصديـق، عبد الله بن أبي قحافـة عثمان بن عامر من ولد تيـم بن مرة، ولدت السيـدة عائشـة بعد البعثة بأربع سنين، وعقد عليها رسـول اللـه -صلى الله عليه وسلم- قبل الهجرة بسنة، ودخـل عليها بعد الهجرة بسنة أو سنتيـن... وقُبِضَ عنها الرسول الكريم وهي بنـت ثمان عشرة سنة، وعاشت ست وستين سنة، وحفظت القرآن الكريم في حياة الرسول وروت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألفي
حديث ومائي وعشرة أحاديث
حديث الإفك
حديث الإفك خطير أفظع الخطر في مضمونه ومحتواه... فمضمونه: العداء للإسلام والمسلمين، ومحتواه: قذف عرض النبي -صلى الله عليه وسلم- وإشاعة مقالة السوء في أهله الأطهار، وأغراضه: إكراه الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمهاجرين على الخروج من المدينة، وأهدافه: إزالة آثار الإسلام والإيمان من قلوب الأنصار...
وفي غزوة المصطلق سنة ست للهجرة، تقول السيدة عائشة: (فلما فرغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- من سفره ذلك وجّه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل، ثم أذّن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجاتي وفي عنقي عقد لي، فلما فرغت أنسل من عنقي ولا أدري.
فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي، الذين كانوا يُرَحِّلون لي البعير، وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير، ولم يشكوا أني فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب، قد انطلق الناس...
فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أن لو قد افتقدت لرُجع إلي، فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطّل السُّلَمي، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي، وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب.
فلما رآني قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)... وأنا متلففة في ثيابي، قال: (ما خلّفك يرحمك الله؟)... فما كلمته، ثم قرب البعير فقال: (اركبي)... واستأخر عني، فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعاً يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس وما افتُقدت حتى أصبحت، ونزل الناس، فلما أطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا، فارتجع العسكر، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك)...
وفي المدينة مرضت السيـدة عائشـة مرضاً شديداً، ولم تعلم بالحديـث الذي وصل للرسـول -صلى الله عليه وسلم- وأبويها، إلا أنها قد أنكرت من الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعض لطفه بها، وحين رأت جفائه لها استأذنت بالانتقال إلى أمها لتمرضها فأذن لها...
وبعد مرور بضع وعشرين ليلة خرجت مع أم مِسْطح بنت أبي رُهْم بن المطلب بن عبد مناف، فعلمت بحديث الإفك، وعادت إلى البيت تبكي وقالت لأمها: (يغفر الله لك، تحدّث الناس بما تحدّثوا به وبلغك ما بلغك، ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً)... قالت: (أي بُنَيَّة خفِّضي الشأن، فوالله قلّما كانت امرأة حسناء عند رجل يُحبها لها ضرائر إلا كثّرن وكثّر الناس عليها)...
...
البراءة
قالت السيدة عائشة: (فوالله ما بَرِحَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسُجِّي بثوبه، ووضِعت له وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فوالله ما فزعت كثيرا ولا باليت، قد عرفت أني بريئة، وإن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سُرّيَ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فَرَقاً أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس...
ثم سُرِّيَ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجلس وإنه ليتحدّر منه مثل الجُمان في يومٍ شاتٍ، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: (أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتـك)... فقالت: (بحمـد الله وذمّكم)... ثم خرج إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل اللـه عز وجل من القرآن... سورة النور (11-19)... وبدايتها...
قال تعالى: {إنَّ الذين جَاؤُوا بالإفكِ عُصْبَةُ منكم، لا تحسبوه شراً لكم بلْ هو خيرُ لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسبَ من الإثم، والذي تولَّى كِبْرَهُ منهم له عذابٌ عظيمٌ، لولا إذ سمعتُموه ظنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً}...
كما أنها كانت شريكة السيدة حفصة في قصة أخرى سنذكرها مع ذكرنا للسيدة حفصة
حفصة بنت عمر
طلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- حفصة طلقةً رجعية، وذلك لإفشائها سِرّاً استكتمها إيّاه، فلم تكتمه، وقصة ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلا يوماً بمارية -رضي الله عنها- في بيت حفصة، فلمّا انصرفت مارية دخلت حفصة حجرتها وقالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (لقد رأيت من كان عندك، يا نبي الله لقد جئت إليّ شيئاً ما جئت إلى أحدٍ من أزواجك في يومي، وفي دوري وفي فراشي)... ثم استعبرت باكية.
فأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- باسترضائها فقال: (ألا ترضين أن أحرّمها فلا أقربها؟)... قالت: (بلى)... فحرّمها وقال لها: (لا تذكري ذلك لأحدٍ)... ورضيت حفصة بذلك، وسعدت ليلتها بقرب النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا أصبحت الغداةَ، لم تستطع على كتمان سرّها، فنبّأت به عائشة، فأنزل الله تعالى قوله الكريم مؤدِّباً لحفصة خاصة ولنساء النبي عامة ...
قال الله تعالى: {وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْوَاجه حَديثاً، فلمّا نَبّأتْ بِهِ وأظهَرَهُ اللّهُ عليه عَرَّفَ بعضَه وأعْرَض عن بَعْضٍ فلمّا نَبّأهَا بِهِ قالت مَنْ أنْبَأكَ هَذا قال نَبّأنِي العَلِيمُ الخَبيرُ}... سورة التحريم آية (3)...
فبلغ ذلك عمر فحثا التراب على رأسه وقال: (ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها)... فنزل جبريل -عليه السلام- من الغَدِ على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إن الله يأمرك أن تُراجِعَ حفصة رحمة بعمر)... وفي رواية أن جبريل قال: (أرْجِع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة)...
اعتزال النبي لنسائه
اعتزل النبي -صلى الله عليه وسلم- نساءه شهراً، وشاع الخبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد طلّق نساءه، ولم يكن أحد من الصحابة يجرؤ على الكلام معه في ذلك، واستأذن عمر عدّة مرات للدخول على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلم يؤذن له، فذهب مسرعاً الى بيت حفصة، فوجدها تبكي فقال: (لعلّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قد طلّقك؟ إنه كان قد طلّقك مرةً، ثم راجعك من أجلي، فإن كان طلّقك مرّة أخرى لا أكلمك أبداً)...
ثم ذهب ثالثة يستأذن في الدخول على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأذِنَ له، فدخل عمر والنبي -صلى الله عليه وسلم- متكئ على حصير قد أثر في جنبه، فقال عمر: (أطلقت يا رسول الله نساءك؟)... فرفع -صلى الله عليه وسلم- رأسه وقال: (لا)... فقال عمر: (الله أكبر)... ثم أخذ عمر وهو مسرور يهوّن على النبـي -صلى الله عليه وسلم- ما لاقى من نسائـه.
فقال عمر: (الله أكبر! لو رأيتنا يا رسـول اللـه وكنّا معشر قريش قوماً نغلِبُ النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم، فغضبتُ على امرأتي يوماً، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: (ما تُنْكِر أن راجعتك؟ فوالله إن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ليراجعْنَهُ، وتهجره إحداهنّ اليوم الى الليل)... فقلت: (قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسِرَتْ، أفتأمَنُ إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذاً هي قد هلكت؟)... فتبسّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-...
فقال عمر: (يا رسول الله، قد دخلت على حفصة فقلت: (لا يغرنّك أن كانت جاريتك -يعني عائشة- هي أوْسَم وأحبُّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منك)... فتبسّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثانية، فاستأذن عمر -رضي الله عنه- بالجلوس فأذن له...
وكان -صلى الله عليه وسلم- أقسم أن لا يدخل على نسائه شهراً من شدّة مَوْجدَتِهِ عليهنّ، حتى عاتبه الله تعالى ونزلت هذه الآية في عائشة وحفصة لأنهما البادئتان في مظاهرة النبي -صلى الله عليه وسلم-... والآية التي تليها في أمهات المؤمنين...
قال تعالى: {إِن تَتُوبَا إلى اللهِ فقد صَغَتْ قُلُوبُكُما وإن تَظَاهرا عَلَيه فإنّ اللهَ هوَ مَوْلاهُ وجِبريلُ وَصَالِحُ المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ ** عسى رَبُّهُ إن طلَّقَكُنَّ أن يُبْدِلَهُ أزواجاً خَيْراً منكُنَّ مُسْلِماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائِحاتٍ ثَيَّباتٍ وأبكاراً}... سورة التحريم آية (4 - 5)...
فما كان منهن وآيات الله تتلى على مسامعهن إلا أن قلنَ ... قال تعالى: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير}...
زينب بنت جحش
زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صيرة بن مرّة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، أم المؤمنين وأمُّها أميمة بنت عبد المطلب عمّـة رسـول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولدت بمكة قبل البعثة بسبع عشرة سنة وكانت من المهاجرات الأول، أسلمت قديماً
زواجها من زيد
كان زيد بن حارثة مولى للسيدة خديجة -رضي الله عنها-، فلمّا تزوّجها الرسول -صلى الله عليه وسلم-وهَبَته له، وتبناه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأصبح زيد بن محمد، وبعد الإسلام نزل قوله تعالى: (وادعوهم لآبائهم)... فعاد من جديد زيد بن حارثة...
وأما قصة زواجه من السيـدة زينـب تعود إلى أن زينب قد خطبها عدّة من قريش فأرسلت أختـها (حمنة) إلى رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- تستشيره، فقال الرسـول -صلى الله عليه وسلم-: (أين هي ممن يُعلّمها كتاب ربّها وسنّة نبيها؟)... قالت حمنة: (ومن هو يا رسـول الله؟)... قال: (زيد بن حارثة)... فغضبت (حمنة) غضباً شديداً وقالت: (يا رسول الله ! أتزوج ابنة عمّتك مولاك؟!)... وعادت إلى زينب فأخبرتها، فغضبت زينب وقالت أشد من قول أختها فأنزل الله تعالى...
قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أنْ يكون لهم الخِيرة من أمرهم}...
فأرسلت زينـب إلى الرسـول -صلى الله عليه وسلم- وقالت: (إني استغفر الله وأطيع الله ورسولـه، افعل يا رسول الله ما رأيت)... فزوّجها الرسول -صلى الله عليه وسلم- زيداً، فكانت أزراً عليه، وشكاها زيد إلى الرسول الكريم، فعاتبها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال لزيد: (أمسِكْ عليك زوجك واتّق الله)... فقال زيد: (أنا أطلقها)... وطلقها زيد -رضي الله عنه-...
وبينما الرسول -صلى اللـه عليه وسلم- عند السيدة عائشة، إذ أخذتـه غشيـةٌ فسُرِّي عنه وهو يبتسم و يقـول: (من يذهب إلى زينـب يُبشِّرُها؟)... وتـلا...
قال تعالى: {وإذْ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسكْ عليك زوجكَ واتقِ اللهَ وتُخْفي في نفسكَ ما اللهُ مُبْدِيه وتَخْشى الناس والله أحقُّ أن تخْشَاهُ، فلمّا قضى زَيْدٌ منها وَطَراً زَوَّجْنَاكها لكي لا يكون على المؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدْعيائهم إذا قضوا منهنّ وَطَراً، وكان أمْرُ اللهِ مَفْعولاً}...
فعندما انقضت عِدّة زينب -رضي الله عنها- قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لزيْد بن حارثة: (اذهب فاذْكرها عليّ)... فانطلق حتى أتاها وهي تخمّرُ عجينها، قال: (فلمّا رأيتها عظمَتْ في صدري حتى ما أستطيع أن أنظـر إليها، وأقول إن رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكرها فولّيتُها ظهري، ونكصت على عقبي وقُلتُ: (يا زينب أبشري أرسلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرك؟)... قالت: (ما أنا بصانعةٍ شيئاً حتى أؤامِرَ ربيّ عز وجل)... فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- فدخل عليها...
تقول السيدة زينب: (لمّا انقضتْ عِدّتي لم أعلم إلا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد دخل عليّ بيتي، وأنا مكشوفة الشعر، فعلمت أنه أُمِرَ من السماء، فقلت: (يا رسول الله: بلا خطبة ولا إشهاد؟!)... قال -صلى الله عليه وسلم-: (الله زوّجَ وجبريل الشاهد)... وتزوّج الرسول -صلى الله عليه وسلم- امرأة زيد بعده، وانتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه...
وكانت وليمة العرس حافلة مشهودة، ذبح النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- شاة، وأمر (أنس بن مالك) أن يدعوَ الناس إلى الوليمـة، فترافدوا أفواجاً أفواجاً، يأكل كل فوج ويخرج، ثم يدخل فوجٌ آخر، حتى أكلوا كلُّهم...
لقد كانت السيدة زينب تفتخر بزواجها من الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتقول: (يا رسول الله إني والله ما أنا كإحدى نسائِكَ، ليست امرأة من نسائِك إلا زوّجها أبوها أو أخوها أو أهلها، غيري زوّجِنيك الله من السماء)... وقد كانت -رضي الله عنها- تفتخر على نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- فتقول: (زوّجكُنّ أهاليكنّ، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سموات)..
توفيـت السيـدة زينـب سنـة عشريـن من الهجـرة وهي بنـت خمسيـن، وصلّى عليهـا عمـر بـن الخطـاب أميـر المؤمنيـن، ودُفنـت في البقيـع -رضـي اللـه عنها-...
قالت السيدة عائشة: (رحِمَ الله زينب، لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوّجها، ونطق به القرآن، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لنا: (وأسْرَعَكُنّ بي لُحوقاً أطولكُنَّ باعاً)... فبشَّرها بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق