فال تعالى في مطلع سورة المجادلة "قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيَ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قال الإمام أحمد عن عائشة قالت الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات, لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقوله, فأنزل الله عز وجل {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} إلى آخر الاَية, وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد عن عروة عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء, إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهي تقول يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني, اللهم إني أشكو إليك, قالت فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الاَية {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها}.قالت: وزوجها أوس بن الصامت, وكان أوس امرءاً به لمم, فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته, وإذا ذهب لم يقل شيئاً فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه في ذلك وتشتكي إلى الله, فأنزل الله {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} الاَية.
وروى هشام بن عروة عن أبيه أن رجلاً كان به لمم فذكر مثله, وقال ابن أبي حاتم: قال: لقيت امرأة عمر يقال لها: خولة بنت ثعلبة, وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت, فقال له رجل: ياأمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز, قال ويحك وتدري من هذه ؟ قال: لا. قال هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات, هذه خولة بنت ثعلبة, والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها.
وقال تعالى:"
** الّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَآئِهِمْ مّا هُنّ أُمّهَاتِهِمْ إِنْ أُمّهَاتُهُمْ إِلاّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنّ اللّهَ لَعَفُوّ غَفُورٌ * وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَآئِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسّا فَمَن لّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
قال الإمام أحمد: عن يوسف بن عبد الله بن سلام, عن خويلة بنت ثعلبة قالت: فيّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة, قالت: كنت عنده وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه, قالت: فدخل علي يوماً فراجعته بشيء, فغضب فقال: أنت عليّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة, ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي قالت: قلت كلا, والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إِلي, وقد قلت ما قلت, حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه, قالت: فواثبني, فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني, قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثياباً, ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه, فذكرت له مالقيت منه وجعلت أشكو إليه ماألقى من سوء خلقه, قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ياخويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه».) قالت: فو الله ما برحت حتى نزل في قرآن, فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه ثم سري عنه فقال لي: «يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآناً ـ ثم قرأ علي {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ـ إلى قوله تعالى ـ وللكافرين عذاب أليم} قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «مريه فليعتق رقبة» قالت: فقلت يا رسول الله ما عنده ما يعتق, قال «فليصم شهرين متتابعين» قالت: فقلت والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام قال «فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر» قالت: فقلت والله يا رسول الله ما ذاك عنده, قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر» قالت: فقلت يا رسول الله وأنا سأعينه بعَرَقٍ آخر قال «قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيراً» قالت: ففعلت.
15 – حمالة الحطب
حمّالة الحطب: ورد ذكرها في قوله تعالى: (وامرأته حمالة الحطب)" المسد 4"، وهي أم جميل بنت حرب بن أمية، كانت تحمل الشوك، فتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجها أبو لهب: عبدالعزى، كني بذلك لتلهّب وجنتيه وإشراقهما، أو في النار مناسبة لحاله فيها.
قال البخاري عن سعيد بن جبير عن بن عباس أن النبي خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى ياصباحاه فاجتمعت إليه قريش فقال أرأيتم إنحدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني قالوا نعم قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب ألهذا جمعتنا تبا لك فأنزل الله ( تبت يدا أبي لهب وتب ) إلى آخرها وفي رواية فقام ينفض يديه وهو يقول تبالك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فأنزل الله ( تبت يدا أبي لهب وتب ) الأول دعاء عليه والثاني خبر عنه فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وكنيته أبو عتيبة وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه وكان كثير الأذية لرسول الله ولبغضة له والازدراء به والتنقص له ولدينه
وقوله تعالى ( تبت يدا أبي لهب ) أي خسر وخاب وضل عمله وسعيه ( وتب ) أي وقد تب تحقق خسارته وهلاكه وقوله تعالى ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) وقوله تعالى ( سيصلى نارا ذات لهب ) أي ذات لهب وشرر وإحراق شديد ( وامرأته حمالة الحطب ) وكانت زوجته من سادات نساء قريش وهي أم جميل واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم ولهذا قال تعالى ( حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ) يعني تحمل الحطب فتلقى على زوجها ليزداد على ماهو فيه وهي مهيأة لذلك مستعدة له ( في جيدها حبل من مسد ) قال مجاهد كانت تضع الشوك في طريق رسول الله وقال بن جرير كانت تعير النبي بالفقر وكانت تحتطب فعيرت بذلك كذا حكاه ولم يعزه إلى أحد والصحيح الأول والله أعلم
قال سعيد بن المسيب كانت لها قلادة فاخرة فقالت لأنفقنها في عداوة محمد يعني فأعقبها الله منها حبلا في جيدها من مسد النار وقال بن جرير المسد الليف وقال عروة بن الزبير المسد سلسلة ذرعها سبعون ذراعا وعن الثوري هو قلادة من نار طولها سبعون ذراعا وقال الجوهري المسد الليف والمسد أيضا حبل من ليف أو خوص وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها ومسدت الحبل أمسده مسدا إذا أجدت فتله وقال مجاهد ( في جيدها حبل من مسد ) أي طوق من حديد ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدا
عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما نزلت ( تبت يدا أبي لهب ) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهروهي تقول" مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا" ورسول الله جالس في المسجد ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك فقال رسول الله إنها لن تراني وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله فقالت يا أبا بكر إني أخبرت ان صاحبك هجاني قال "لا ورب هذا البيت ما هجاك" فولت وهي تقول" قد علمت قريش أني ابنة سيدها" قال العلماء وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة فإنه منذ نزل قوله تعالى ( سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ) فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا باطنا ولا ظاهرا لا مسرا ولا معلنا فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق